حبل الاستسلام

ترتكب العديد من الجرائم أو الجُنح الاجتماعية، في معرض المعركة الأزلية الدائرة بين الكنّة وأم الزوج يتحمّل فيها أحد الطرفين أو كلاهما مسؤولية تصعيد الخلافات.
السبت 2019/08/17
الحرب بين الكنة والحماة قصة لا تنتهي

في إحدى صفحات الفتاوى الشرعية، حيث تستحدث كل يوم العشرات منها على مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي.. تسأل سيدة تخفي هويتها بصورة لبحر متلاطم الأمواج، فضيلة شيخ مجهول يخفي هويته بلحية بيضاء لا تسرّ الناظر:

هل من حق أم الزوج شرعا الدخول فجأة إلى منزلي، لتفتيشه ومراقبة أغراضي الخاصة؟ فيجيبها الشيخ: ربما لا يحق لها ذلك.. لكن من واجبك عليها أن تأخذيها بالحسنى وتحمليها على أكثر من محمل، فربما كانت ترغب بالاطمئنان على ولدها!

في الواقع، الطرفان مجهولان؛ السيدة والشيخ.. وربما والدة الزوج وصفحة الإفتاء والقائمين عليها. لكن المؤكد أنّ واقعة الزيارات المكوكية التي تقوم بها السيدة العجوز لمنزل ولدها حقيقية، بل قد تقع يوميا على أهون الأسباب.. هذا لأن المرأة تريد أن تطمئن على ولدها، بحسب فتوى الشيخ المجهول الذي يريد أن يتحكّم في حياة الناس بالريموت كونترول.

ترتكب العديد من الجرائم أو الجُنح الاجتماعية الخفيفة، في معرض المعركة الأزلية الدائرة بين الكنّة وأم الزوج.. يتحمّل فيها أحد الطرفين أو كلاهما مسؤولية تصعيد الخلافات، حتى وصولها إلى نقطة اللاعودة. اللاعودة هنا، تعني انفصال الزوجين أو تعكّر مزاج الأبناء أو ضياع مستقبل الزوج المالي خاصة من يشارك والدته المسكن، إذا ما اضطر في نهاية الأمر لفك الاشتباك بين الطرفين المتحاربين وعزلهما في منزلين مستقلين.

هذا النوع من الخلافات لا يمكن أن يُسوّى بالحيل القانونية، لذلك، تبقى الأمور معلّقة في أغلب الأحوال وتأخذ من حياة الطرفين ما تأخذ.. وقد تجد الزوجة كل الأبواب مُوصدة في وجهها حتى باب منزل أهلها، إذ تقضي التقاليد في بعض مناطق العالم المتفردة، بطاعة الزوج وأمّ الزوج وخالته وعمّته وجارته طاعة عمياء حيث لا يُسمح لها بإبداء أي شكوى أو تذمر من قول تلك أو فعل فلانة.. حتى إذا كان العمل الرئيس لفلانة في حياتها هو صبّ الزيت على النار.

في مناطق العالم المتفردة هذه، تبقى الزوجة أسيرة أحزانها حتى تعثر على بصيص من نور في طريق أمل متعرج.. خُيّل إليها في لحظة ما بأنه مستقيم.

لجأت السيدة –أعلاه– إلى الشيخ الدجال الذي يختبئ خلف لوحة مفاتيح، بعد أن سدّت دونها كل الطرق وبعد أن ضاقت ذرعا بصولات التفتيش اليومية لأمّ الزوج.. التي أهدرت كرامتها وداست على خصوصية حياتها بقدميها وما زالت تفعل هذا الأمر الفظيع يوميا. لكنها طرقت الباب الخطأ، وبدلا من محاولة التخلّص من حبل التقاليد الذي أطبق على أنفاسها وكاد يقتلها.. سلّمت رقبتها لحبل شرعيّ يشبه كثيرا حبل المشنقة، وكأنّ إرادتها منوّمة مغناطيسيا لا تتأرجح إلا بين فكيْ حيوان مفترس.

استسلمت لقدرها وضعفها.. وبدلا من أن تثور على واقعها، بدأت بالبحث عن مخرجات شرعية لتبرير ساحة خصم عنيد. ربطت في رقبتها حبل الاستسلام.. و”الذي يربط في رقبته حبل.. ألف من يسحبه!”.

21