حبل الخصوصية يلتف حول رقابنا أم رقاب شركات التكنولوجيا

لم تعد الحكمة السائدة "منزل الرجل الإنكليزي هو قلعته" قائمة بشكلها التاريخي، فالمنازل لم تعد قلعة يعتدّ بها، عندما أصبحت للناس منازل افتراضية تتشابك مع ملايين الجيران، أضحى بعدها التعريف الشائع للخصوصية مثار خلاف متصاعد، ليس فقط على ضفتي العالم، بل في داخل البيت الواحد.
السبت 2018/04/21
أربعة منازل محيطة بمنزل زوكربيرغ، للمحافظة على خصوصيته الشخصية

قدّر الثري الصغير مارك زوكربيرغ خصوصية أسرته الصغيرة بثلاثين مليون دولار، وهو مبلغ كبير للغاية لعائلة مكونة من شاب وزوجته وطفلتيهما.

لقد اشترى مؤسس فيسبوك عام 2013 أربعة منازل محيطة بمنزله الفخم، من أجل المحافظة على خصوصيته الشخصية، الأمر الذي دفع المتهكمين والحاسدين من المعلقين إلى اعتبار هذا السخاء يفوق فكرة المبالغة في الخصوصية نفسها.

لا أعتقد أنه سيجد كل هؤلاء المعلقين غير فعل التأفف المزعج عندما يعرفون قصص سياسيين ورجال دين في العراق اشتروا قطعا واسعة محيطة بمنازل استولوا عليها بعد احتلال العراق عام 2003، لحماية أنفسهم، وليس من أجل خصوصيتهم، فعندما ترتبط الخصوصية بالكرامة، نجدها عند أولئك السياسيين ورجال الدين في العراق صلفا ووضاعة!!

وهذا كما يبدو لي سبب الخلاف على مفهوم الخصوصية المتصاعد في العصر الرقمي، لقد انتهكت الخصوصيات مع صعود جيل الهواتف الذكية، جيل يجد نفسه في مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها التعريف الأمثل له ولعلاقاته وتاريخه الشخصي وما يطمح إليه.

لم تعد الحكمة السائدة “منزل الرجل الإنكليزي هو قلعته” قائمة بشكلها التاريخي، فالمنازل لم تعد قلعة يعتدّ بها، عندما أصبحت للناس منازل افتراضية تتشابك مع ملايين الجيران، أضحى بعدها التعريف الشائع للخصوصية مثار خلاف متصاعد، ليس فقط على ضفتي العالم، بل في داخل البيت الواحد.

الأميركيون يعتقدون أن الخصوصية هي الحرية في أن يفعل المرء ما يريد في بيته، ومثل هذا الأمر عندما يتعلق بالسعوديين مثلا، ستثور له ثائرة الحلقة الدينية التي بدأ ينكسر طوقها على المجتمع، فتفسيرهم للخصوصية مستمد من خرافة تاريخية مرتبطة بفكرتهم الضيقة للدين.

سبق وأن قارن الباحث جيمس كيو ويتمان مفهوم الخصوصية في بحث نشر بمجلة “ييل لو جورنال” في عام 2004، فالأوروبيون ينظرون إلى الخصوصية على أنها تتعلق بالكرامة، المتأصلة في التصورات التاريخية الفرنسية والألمانية عن الشرف، الذي غالبا ما يهتمّ بالحماية من تطفل الصحافة.

ويطلق الألمان على هذا “تقرير المصير المعلوماتي”، وهو تعبير فخم، لكنه يعني الحق في تقرير ما يريد الشخص أن يُبلِغ به عن نفسه، وفق صحيفة فايننشيال تايمز.

وترى هانا كوشلر في تقرير لها بصحيفة فايننشيال تايمز “حتى الآن يتبع وادي السيلكون تعريفاً أقرب إلى التعريف الأميركي للخصوصية، إلا في الحالات التي تمّ كبحها من قبل أجهزة المنظمة الأوروبية. يتمثل الافتراض في أنه في حالة نشر صور أو أيّ محتوى آخر في منطقة تابعة لشخص آخر، تكون لديك توقعات متضائلة من الخصوصية، ربما تكون قادرا على الانسحاب وعدم المشاركة، ولكن لا يتعين عليك المشاركة في ذلك بشكل نشط”.

الجدل لم يعد فقط على الاتفاق على تعريف واضح على مفهوم الخصوصية في العصر الرقمي، بل إن حبلها يلتف على رقابنا نحن المستخدمين الشغوفين المتحمسين بسخاء للتفريط ببياناتنا الشخصية للشركات التكنولوجية، أم على رقاب الشركات نفسها؟

فضيحة فيسبوك الأخيرة باستغلال بيانات خمسين مليون مستخدم من دون موافقتهم، دفعت بالأصوات المطالبة إلى الارتفاع والضغط على الحكومات والشركات معا، إلا أن الشركات التكنولوجية الكبرى لديها دائما من الأسباب التي تدافع فيها عن أرباحها، على الرغم من أن التكاليف صغيرة للحفاظ على بيانات المستخدمين المرتبطة بخصوصيتهم، مقارنة بحجم المبيعات السنوي للشركات، إلا أن مجموعات التكنولوجيا تُشير إلى أن تنظيم حماية البيانات يُمكن أن يكون واحدا من الضوابط الأكثر تكلفة في تاريخ القطاع.

الخبر السيء وفق المعلقة الصحافية ميرين سومرست، بالنسبة لشركات جمع البيانات هو أن المستخدمين إذا علموا فعلا مقدار ما يدفعونه مقابل خدمات الإنترنت المجانية، ربما أصبحوا أقل حماسة للاشتراك فيها.

وهذا ما تطالب به كوتشلر باللحاق بالواقع في العالم الرقمي عبر تغيير مفهومنا عن الخصوصية، حيث يعاني كل شخص من العدد الكبير فوق الحد من الجيران الفضوليين.

شركة فيسبوك نفسها اعترفت في بيان سابق لها أن جمع البيانات أساسي لطريقة عمل الإنترنت، بغض النظر عما إذا كان المستخدم يمتلك حسابا أم لا على فيسبوك.

ولدى سؤال فيسبوك عما إذا كان للناس اختيار يمنع جمع بياناتهم قال الموقع لوكالة رويترز “هناك أمور أساسية يمكنك أن تفعلها للحدّ من استخدام تلك المعلومات للإعلانات مثل استخدام إعدادات متصفح أو جهاز تمحو ملفات (كوكيز). هذا ينطبق على خدمات أخرى غير فيسبوك لأن الأمر أساسي لطريقة عمل الإنترنت”.

إذن مازال الحبل يلتف على رقاب الشركات والحكومات والأجهزة الأمنية، وبطيعة الحال على الناس؛ المستخدمين المفرطين برضى ببياناتهم والذاهبين بإرادتهم إلى حبل الخصوصية الملتفة على رقابهم.

صحيح، أن فتح حساب على مواقع التواصل الاجتماعي خيار شخصي لا يرغمك أحد عليه، لكن هل يمكن أن تكون طبيعة تعاملاتك مع العالم المتغير بنفس البساطة من دون هذا الحساب؟ أنت مرغم في النهاية على التفريط ببياناتك الشخصية ووفق الشروط التي تضعها الشركات.

المطالبات المتصاعدة اليوم على تنظيم حماية البيانات تأخذ طابعا سياسيا يمسّ أمن البلدان، بعد أن انتهك خصوصية الإفراد، لذلك يقول بول جوردان، المدير الإداري الأوروبي في “الاتحاد العالمي لاختصاصيي الخصوصية”، “المستهلكون يُصبحون أكثر تثقيفاً وحذراً بشأن حقوق الخصوصية، في قلب تنظيم حماية البيانات العام توجد حماية المستهلك”.

مع ذلك مازلنا نختلف على تعريف الخصوصية في العصر الرقمي، رغم أنها عرضة للانتهاك المستمر.

18