"حبيبي اللدود".. حين يولد الحب في زمن الحرب الأهلية اللبنانية

المسلسل ينتصر للحب على الكراهية والانتقام، وحاول قدر المستطاع تجنب التلميح أو الإشارة إلى أي طائفة من الطوائف اللبنانية المقاتلة واستعاض عنها بأسماء رمزية.
الخميس 2018/12/06
تاهت المشاعر بين الحب والعداوة

لم تجلب الحرب الأهلية سوى الخراب على لبنان، ومثلت درسا لن ينساه اللبنانيون ودافعا قويا لضرورة تقبّل الآخر، وهي الرسالة التي يوجهها مسلسل “حبيبي اللدود” للبنانيين جميعا بمختلف طوائفهم لتذكيرهم بما حل بوطنهم من جراء الحرب.

تدور أحداث المسلسل اللبناني “حبيبي اللدود” المعروض حاليا على قناة “أل.بي.سـي.آي” في أجواء الحرب الأهلية اللبنانية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ففي هذه الأثناء كانت السيطرة والغلبة على الأرض للقوى والأحزاب المسلحة التي كان كل منها يسعى إلى توسعة منطقة نفوذه على حساب الآخر، ويؤمن كل أفرادها وقادتها بامتلاك الحقيقة ومن ثم تخوين الآخر.

ويتناول العمل بعض تفاصيل هذه الحرب وتأثيرها على المجتمع اللبناني من انقسام واستقطاب سياسي وعشائري، لكنه أيضا يظهر لنا نقاط التوافق التي تجمع بين أبناء الوطن الواحد حين ينتصر الحب على الكراهية والانتقام، فبين أجواء التوتر والحرب المشتعلة بين هذه الأحزاب والقوى المسلحة يولد الحب والشغف، متجاوزا العقبات التي تقف في طريقه ومتحديا لنغمة الكراهية السائدة.

المسلسل من إخراج سيزار حاج خليل وتأليف منى طايع، وتشارك فيه نخبة من النجوم والنجمات اللبنانيات، من بينهم يورغو شلهوب وفادي أندراوس وروان طحطوح وبيدرو طايع ووجيه صقر، إضافة إلى الوجه الجديد جوانا حداد التي تخوض هنا أولى تجاربها التمثيلية.

وفي المسلسل يؤدي النجم اللبناني يورغو شلهوب دور “نوح”، القائد لإحدى المجموعات المسلحة التابعة لأحد الأحزاب، وهو في نفس الوقت مغرم بالفتاة “سمر” (جوانا حداد) التي تنتمي عائلتها إلى حزب منافس.

يبدأ المسلسل باستعراض لتفاصيل هذه العلاقة الغرامية بين نوح وسمر، والتعقيدات التي تحول دون ارتباطهما الرسمي، وفي غمرة هذه الأحداث تنبت علاقة أخرى بطلاها “مجدي” الذي يؤدي دوره الفنان (فادي أندراوس)، وهو مقاتل في الحزب الذي ينتمي إليه نوح، و”ريما” التي تلعب دورها الفنانة روان طحطوح، وهي ابنة أحد الزعماء السياسيين.

المسلسل لا يتتبع وقائع بعينها من أحداث الحرب الأهلية اللبنانية، لكنه يتلمس تأثيرها الفعلي على الحياة اليومية

وتستمر الأحداث على هذا النحو، حيث تتطور علاقة الحب بين مجدي وريما، ويحاولان معا التغلب على هذه التحديات التي تواجه حبهما، خاصة مع رفض والد ريما لهذه العلاقة، لا بسبب الخلافات السياسية وحدها، بل أيضا بسبب الفروق الاجتماعية بين العائلتين.

والتحدي الأكبر الذي يواجه هذه العلاقات الغرامية يتمثل في طاعة كل من نوح ومجدي العمياء لزعيم الحزب الذي ينتميان إليه، حتى وإن تعارضت هذه الطاعة مع مبادئهما وقناعاتهما الشخصية.

وتدفع هذه الطاعة العمياء بنوح إلى قتل أحد الشباب من حزب منافس تنفيذا لأوامر زعيم الحزب، ما يؤدي إلى اشتعال المعارك بين الأطراف جميعا، وباندلاع الحرب تتخذ الأحداث منحى مأساويا بمقتل عائلة سمر حبيبة نوح ثم مقتل شقيق نوح نفسه.

العلاقة بين سمر ونوح تمرّ بالكثير من المنعطفات قبل أن تتعقّد الأمور إلى هذه الدرجة، فعلى الرغم من حب نوح لسمر إلاّ أنها تكتشف أن له علاقة بامرأة أخرى، كما يؤرقها انخراطه في الحرب وقناعته الزائدة واستسلامه لأوامر قائده. ورغم هذه الإشكاليات المعقدة يتقدم نوح لخطبة سمر، غير أن الأحداث اللاحقة سيكون لها تأثير على تلك العلاقة.

يقدم الفنان يورغو شلهوب في دور نوح نموذجا للمقاتل المدافع عن مبادئ حزبه حدّ التعصب، أما الفنانة روان طحطوح فقد استطاعت تجسيد دور الفتاة المثقفة التي تحاول الدفاع عن حبها رغم ممانعة عائلتها، وتمثل روان طحطوح الجانب المشرق في المسلسل، فهي الفتاة المثقفة التي تنأى بنفسها عن كل هذه الصراعات معلنة رفضها للحرب ونغمة الكراهية التي يتم زرعها حتى في نفوس الأطفال الصغار.

المسلسل لا يخلو من الشعارات التي تم حشرها في السياق على نحو مباشر، كالتحية التي يتبادلها مقاتلو الحزب على سبيل المثال “كلنا للوطن”، واللافت هنا أنه على الرغم من كون العمل يتناول حقبة الحرب الأهلية اللبنانية، وهي حرب كانت أطرافها الرئيسية معلومة للجميع، إلاّ أن المسلسل لم يُشر إلى حزب أو طائفة بعينها، وحاول قدر المستطاع تجنب التلميح أو الإشارة إلى أي طائفة من الطوائف اللبنانية المقاتلة واستعاض عنها بأسماء رمزية، ربما لتجنّب الحساسيات السياسية في المجتمع اللبناني، ويشفع للمسلسل هنا أنه لا يتتبع وقائع بعينها من أحداث الحرب، لكنه يتلمّس تأثيرها الفعلي فقط على تفاصيل الحياة اليومية.

حبيبي اللدود

يتميز مسلسل “حبيبي اللدود” بالتنوع في أماكن التصوير، والحضور اللافت لمشاهد الحركة والمعارك والاشتباكات الحربية، رغم وجود بعض المشاهد التي كانت في حاجة إلى الإتقان.

ونأتي هنا إلى دور سمر الذي لعبته جوانا حداد، وهو أحد الأدوار المحورية في المسلسل، إذ اجتهدت الفنانة قدر المستطاع في إبراز كل ما لديها من قدرة في أداء الدور الذي أسند لها، وهي تنبئ بلا شك بموهبة في طريقها إلى التشكّل، غير أن تصديها لمثل هذا الدور المحوري كفنانة ناشئة ليست لديها أي خبرات سابقة في مجال التمثيل، مثّل إحدى علامات الاستفهام في المسلسل، فتواضع الخبرة كان واضحا، خاصة في المشاهد المشحونة بالانفعالات، ولعلها في التجارب القادمة تكون أكثر احترافا.

المسلسل لا يزال معروضا على القنوات اللبنانية، ولا تزال أحداثه في تصاعد مستمر، وهي أحداث تنبئ بالمزيد من المفاجآت على صعيد العلاقات بين أطرافه، كالعلاقة بين نوح وسمر بعد احتدام الحرب، ومصير سمر نفسها بعد مقتل أهلها، وأسرها من قبل إحدى الجماعات المسلحة، كما أن العلاقة بين روان طحطوح وفادي أندراوس ستواجه بلا شك بالمزيد من التحديات التي يتطلع الجمهور إلى كيفية معالجتها، فلمن ستكون الغلبة في النهاية، للحب أم للحرب؟

مسلسل “حبيبي اللدود” في مجمله هو أحد الأعمال التي تتمتع بقدر من التشويق، وهو يعرض في أجواء من المنافسة بين عدد من الأعمال الأخرى المعروضة في نفس التوقيت، وهو أمر إيجابي ويثبت أن فرص العرض والمنافسة الدرامية من الممكن ألاّ تقتصر على الموسم الرمضاني وحده، والذي يتم فيه تكثيف الإنتاج الدرامي، بل يمكن أن تستمر طوال العام.

16