حبيب الشرتوني لبناني غامض يدعي أنه نفذ حكم الشعب

السبت 2017/10/28
حبيب الشرتوني هل قتل بشير الجميل بقرار من إسرائيل أم الأسد أم الحزب القومي السوري؟

إسطنبول – إنها بيروت، مدينة الحرب الأهلية اللبنانية وتناقضاتها المرعبة، بيروت التي اجتاحتها إسرائيل، بتحريض ومناشدة من الزعيم الكتائبي الماروني بشير الجميّل توجه بها إلى آرئيل شارون، في الرابع من يونيو 1982 بحجة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية.

ازدادت ضراوة الحرب، وتحوّلت بيروت الغربية إلى كتلة من اللهب والدمار. حينها فقط، شعر الجميّل بأن ترشحه لرئاسة لبنان صار أمرا واقعا، فلم يجرؤ أحد على الترشح ضده.

ولكن، رغم ذلك كله، كان الخلاف بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين وشارون لا يزال قائما بعد اجتماعهم الأخير في “نهاريا” بشمال إسرائيل حين رفض الجميّل طرح بيغين بعقد معاهدة سلام مع إسرائيل إلا بعد دخول الأخيرة والقضاء على “الاحتلال” السوري والوجود الفلسطيني في لبنان.

ومن هنا ذهب العديد ومن بينهم شقيق بشير، أمين الجميّل، إلى اتهام إسرائيل بتدبير عملية الاغتيال بعد 21 يوما عاشها بشير رئيسا للبنان. جمع، بالقوة، كافة القوى السياسية المتناحرة على طاولة واحدة، وطالبهم بتشكيل جيش لبناني واحد وإنهاء وجود كافة الفرق العسكرية غير اللبنانية، كالسورية والفلسطينية واللبنانية غير الشرعية، كالميليشيات الحزبية والطائفية.

الزعيم المسيحي الشاب

كان بشير أصغر إخوته الستة، لكنه أجرؤهم، درس الحقوق وتمرّس على الأعمال العسكرية. سطع نجمه بعد معارك تل الزعتر والكرنتينا والدامور، أي بعد الصدام المباشر مع الفلسطينيين. سيرته في حزب الكتائب الذي أسسه والده بيار تشابه بالضبط أحداث فيلم “العراب” حين تسلّم مايكل كرليوني زعامة المافيا، وهو أصغر إخوته، في حياة والده، العراب الأكبر الدون كورليوني، ليس ذلك فحسب، بل إن هناك شبها رهيبا في الشكل والسلوك بين كل شخصية ومقابلها في الفيلم.

في العام 1976 كان الدخول السوري إلى لبنان تحت ذريعة قوات الردع العربية، لكن بشير استطاع تحرير “الأشرفية”، مقر “بيت الكتائب” من جيش حافظ الأسد بعد حرب الـ100 يوم في 1978، وانسحب السوريون على إثرها من بيروت.

صيف ذلك العام، أرسل الجميّل سمير جعجع لينفذ ما عرف تاريخيا بمجزرة “إهدن” التي راح ضحيتها زعيم ميليشيا “المردة”، وابن رئيس الجمهورية آنذاك، طوني فرنجية وزوجته وأطفاله وأكثر من 30 من أنصاره. ومجزرة “أكوا مارينا- الصفرا” التي راحت فيها عائلات أنصار داني شمعون من حزب “نمور الأحرار” في 6 يوليو.

القوميون السوريون يعتبرون الشرتوني بطلا قوميا قام بتغيير مسار التاريخ في لبنان و"الوطن السوري"، فلولاه لكان لبنان الآن في حضن إسرائيل على حدّ وصفهم. حتى صار اسمه ملتصقا بشهداء الحزب كسناء محيدلي وخالد الأزرق وعمار الأعسر وغيرهم

الشرتوني المسيحي الآخر

ظهر في تلك الأيام شاب مسيحي آخر يدعى حبيب طانيوس الشرتوني، كان قد ولد في العام 1958 في قرية شرتون في عاليه، وينتمي إلى الطائفة المارونية، طائفة الجميل ذاتها. جده الشيخ حبيب صالح الشرتوني الذي كان مختارا لمنطقة رأس بيروت على مدى أربعة وعشرين عاما، ولقب “الشيخ” أطلقه عليه العثمانيون تشرّفا أيام السلطان عبدالحميد. درس والد حبيب الطبّ في الجامعة الأميركية، وقبل تخرّجه بعام واحد اضطُرّ إلى ترك الدراسة والعمل في مستشفاها القديم الذي لا يزال قائما إلى هذا اليوم.

دفعته ظروف الحرب إلى عدم متابعة دراسته في بلده، فسافر الى قبرص بعد دخول الجيش السوري الأراضي اللبنانية، ومن هناك سافر إلى فرنسا والتحق بمعهد إدارة المصانع. عاد بعدها إلى لبنان ولم يوفق بالحصول على عمل ضمن اختصاصه بل راح يعمل في مجالات أخرى ولفترات متقطعة حتى كان شهر فبراير 1982 حين التحق للعمل في شركة إعلانات.

بعد عودته من فرنسا التحق الشرتوني بإحدى خلايا الحزب السوري القومي الاجتماعي في عاليه، وكانت تدعى “منفذيات”. وكان قبل سفره إلى فرنسا قد تعرّف إلى بعض القوميين، وانتسب رسميا إلى الحزب في العام 1977. بعدها عاد إلى فرنسا. وهناك قام بالمشاركة في حضور المهرجانات الطلابية المنظمة من قبل الأحزاب الفلسطينية واللبنانية والأحزاب اليسارية في فرنسا.

هناك التقى الشرتوني بأحد مسؤولي الحزب الأمنيين. إنه نبيل العلم الذي انحصر دوره حتى ذلك الحين بمهام الاطلاع على أوضاع وحدات الحزب في أوروبا. وبعد اللقاء تعمّقت العلاقة بين الشرتوني والعلم، خاصة بعد عودة الشرتوني إلى لبنان، واستمرت اللقاءات بينهما إلى أن استطاع العلم إقناع الشرتوني بعملية اغتيال ستغير وجه لبنان؛ اغتيال بشير الجميل.

ساعة الصفر

كان جد الشرتوني من ناحية أمه، يملك منزلا في حي الأشرفية ببيروت، استولى عليه حزب الكتائب بضرب احتيال قام به أحد أعضائه، واسمه جان غاوي، الذي سجّل عقد الإيجار باسمه، مؤكداً استعماله الشخصي لاستقبال بعض رفاقه في الحزب للعب الورق في أحيان كناد وليس كمقرّ حزبي، قبل أن يصادروه لسنوات طويلة ويخلوا بعض شققه خلافا للقانون، ثم يشتروه بثمن بخس. في تلك الأثناء، وبعد عودة الشرتوني من فرنسا، آثر السكن في الطابق العلوي الذي بقي للعائلة من المبنى. وربما كانت عودته من فرنسا وسكنه في ما تبقى له من بيت جده بالأشرفية بتخطيط كامل من العلم لإتمام عملية الاغتيال.

الخلاف بين الجميل وبيغين وشارون يسجل باجتماعهم الأخير في "نهاريا" حين رفض الجميّل السلام مع إسرائيل دون أن تنقض الأخيرة على ما سماه "الاحتلال" السوري

أمدّ العلم الشرتوني بـ40 كيلوغراما من المتفجرات بالإضافة إلى المفجّر، فقام الأخير بنقلها إلى منزل عمته في الأشرفية، والذي يبعد بضعة كيلومترات عن بيت الكتائب، بواسطة حقيبتي سفر، وفي الليلة الثالثة عشرة من سبتمبر 1982، تم اتخاذ قرار التنفيذ، فقام الشرتوني بنقل المتفجرات وإدخالها إلى غرفة على يمين القاعة التي سيجلس فيها بشير ورفاقه في اليوم التالي ساعة الانفجار، وكان قد دخل البناء دون إثارة شكوك كونه أحد سكانه.

يوم 14 سبتمبر غادر الجميّل قصر بعبدا، وبعد مغادرته بعبدا توجه إلى دير الصليب كعادته، ثم إلى مقر بيت الكتائب في بناء آل الشرتوني. وبنفس الوقت راح الشرتوني يحوم حول المكان حتى تأكد من حضور الجميل ودخوله إليه، فهرع باتجاه المخبأ الذي وضع فيه المفجر، وضغط عليه، ليدوي انفجار سمعت صداه جميع أحياء بيروت، ويقضي على بشير الجميل ومن كان معه في الاجتماع بعد أن غطت أجسادهم الأنقاض، في الساعة الرابعة وعشر دقائق قبيل غروب شمس ذلك اليوم.

الشرتوني يروي

بعد اغتيال الجميل تم توقيف عدة أشخاص للاشتباه بهم، ومن بينهم الشرتوني، وذلك بعد انتباه عناصر الحزب لصياح أخته التي جاءت إلى المبنى وأخذت تقول “حبيب أنقذ حياتي لأنه اتصل بي قبل الانفجار وأبلغني بأنه مريض وبحاجتي، لذلك غادرت البناء وتوجهت للاطمئنان عليه”. ولم تكن على علم بتورط أخيها. وكان قد اتصل، بالفعل، بأخته طالبا منها الخروج من المنزل قبيل التفجير بحجة أنه مريض في منزل آخر.

كانت الشبهة الأكبر تشير إلى الشرتوني. إذ كانت لدى العناصر معلومات عن أحد الأشخاص من آل الشرتوني ولم يكونوا على علم باسمه الأول، وبعد توقيفه تبين أنه حبيب الذي يسكن في الطابق العلوي لبيت الكتائب. وبعد أقل من 48 ساعة من التحقيق أصبح الاتهام كله موجها إليه. وخلال ثلاثة أيام فقط، أخذت الصورة تتوضح، حين بدأ الشرتوني يروي قصته مع التفجير.

طلب أمين الجميّل، شقيق بشير، أن يتسلّم الشرتوني للتحقيق معه بنفسه، ولم يكن بعد قد أصبح رئيسا للجمهورية. وبالفعل، تسلم أمين الشرتوني ووضعه في مكان خاص بالقرب من بيت الكتائب في بكفيّا. وفي اليوم التالي وردت معلومات من أحد العناصر التابعة لأمين تفيد أن هناك قرارا بتصفية الشرتوني على أن يعلن في ما بعد أنه توفي أثناء التحقيق.

وكان الشرتوني قد تعرض بالفعل للكثير من التعذيب في مقر الكتائب، كما حدّثني بنفسه في دمشق لاحقا، وسالت منه الكثير من الدماء، وفقد السمع لفترة طويلة.

الشرتوني دخل بعدها إلى سوريا وعاش فيها تحت اسم جديد، فسكن في بداية الأمر في مدينة صافيتا التابعة لطرطوس ثم في "مرمريتا" بريف حمص ثم في دمشق العاصمة

بعدها، تمكّن من الهرب من سجنه، بتسهيل من عناصر الحزب، ويبدو أن الخطة كانت تقضي بإلباسه التهمة بشكل أو بآخر، إلا أن جماعة الأخير استطاعت إعادته قبل وصوله إلى مناطق الحزب القومي في “ضهور شوير” ولم يتم تسليمه إلى أمين الجميل إلا بعد استلامه رئاسة الجمهورية وتحويله إلى القضاء لفتح ملف اغتيال بشير بشكل رسمي.

وفي الفرصة اليتيمة التي أتيحت للشرتوني أثناء التحقيق معه قال اعترافه المشهور “أنا حبيب الشرتوني أقرّ وأنا بكامل أهليتي القانونية بأنني نفّذتُ حكمَ الشعب بحق الخائن بشير الجميّل وأنا لستُ نادما على ذلك، بل على العكس إذا أتى مرة أخرى فسوف أقتله وستصحّ مقولة لكل خائن حبيب، وأبشرّكم أن هناك ألف ألف حبيب لكلّ خائن عميل في بلادي”.

تم إيداعه في سجن رومية الشهير حتى عام 1990 ليتمكن بعد ذلك من الفرار بمساعدة حزبه والنظام السوري بالتزامن مع محاصرة العماد ميشال عون من قبل الجيش السوري لإسقاط رئاسته.

دخل الشرتوني بعدها إلى سوريا وعاش فيها تحت اسم جديد، فسكن في بداية الأمر في مدينة صافيتا التابعة لطرطوس ثم في “مرمريتا” بريف حمص ثم في دمشق العاصمة، أما العلم، المحرّض والمخطط والعقل المدبّر للعملية، فقد غادر لبنان يوم تنفيذ اغتيال الجميل متوجها صوب سوريا أيضا، لتختفي أخباره منذ ذلك اليوم.

بقي أعضاء الحزب القومي منذ يوم الاغتيال وحتى الساعة يتغنون ببطولة الشرتوني، وكنت أنا من بينهم إلى أن تركت صفوف الحزب، جناح “الانتفاضة”، أو جناح جورج عبدالمسيح كما كان يُطلق عليه، في العام 2005، بعد تأكّدي التام بأن الحزب على علاقة وثيقة بأجهزة الأمن السورية.

كان القوميون السوريون يعتبرون الشرتوني بطلا قوميا قام بتغيير مسار التاريخ في لبنان و”الوطن السوري”، فلولاه لكان لبنان الآن في حضن إسرائيل على حدّ وصفهم. صار اسمه ملتصقا بشهداء الحزب كسناء محيدلي وخالد الأزرق وعمار الأعسر وغيرهم من القوميين ممّن نفّذوا أولى العمليات الاستشهادية في جنوب لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي.

إلا أن واقع القيادات في الحزب القومي السوري يتصف بعكس ذلك تماما، حيث أدار الحزب وقياداته ظهرهم للشرتوني، خاصة بعد هيمنة النظام السوري وجيشه على مفاصل لبنان وعقْد مؤتمر “الطائف” الذي أنهى زمن التناحرات بين الفرقاء، ثم خروج جيش النظام السوري من لبنان بعد اغتيال الرئيس الحريري. صار الحزب القومي يتحاشى وجود الشرتوني أو الدفاع عنه علنا، بل وصرّح العديد من قادته بأن عملية الاغتيال لم تصدر من مقرات الحزب وإنما كانت تصرفا فرديا لا علاقة للمؤسسة الحزبية به، هكذا أخبرني الشرتوني بحسرة بعد مرور سنوات طويلة على الاغتيال.

الجيش السوري يعتبر المسؤول الأول عن مساعدة الشرتوني على الهرب من سجن رومية الشهير، ليدخل إلى سوريا ويعيش فيها تحت اسم جديد، مستقرا في مدينة صافيتا ثم في مرمريتا ثم في دمشق العاصمة

الملف يفتح من جديد

أعيدَ فتح ملف اغتيال الجميّل، بعد تجميده منذ العام 1996، في سنة 2006. واليوم، وبعد مضي ما يقارب الـ35 عاما على الاغتيال، يعاد فتح الملف مرة أخرى ليتم تجريم الشرتوني من قبل القضاء اللبناني، والحكم عليه، غيابيا، بالإعدام.

والآن، يتناقل الناس أخباره وتنقلاته، فالبعض يؤكد تواجده في الجنوب اللبناني بحماية حزب الله، والبعض الآخر يجزم بتنقله بين دمشق وبيروت بهوية مزيفة، وآخرون يقولون إن النظام السوري يحتجزه داخل أحد منازله في دمشق.

لكنه، يطل بين الفينة والأخرى عبر بعض الصحف لينشر مقالا أو قصة ما، أو حوارا صحافيا يجريه معه كتّاب الصحف هاتفيا. ولعل من أهم ما جاءت به الصحف هو توضيح لموقفه الشخصي حول ما جرى له في السابق ويجري له الآن، وهي ذات الاحاديث التي كانت تدور بيني وبينه في مقرات الحزب في دمشق.

يقول الشرتوني إن الحزب اعتبره منذ 1982 عبئا عليه وتنكّر له إلاّ من باب التباهي بالبطولة الآتية هكذا من خلف الضباب والسحاب وعلم الغيب. بينما كان هاجسه حمايته وعدم تعريضه أو تعريض أي فرد من أفراده لأي أذى، على حد تعبيره.

ولعل أكثر ما يتحسّر عليه الشرتوني منذ عدة سنوات، كما باح لي، هو فقدانه لعقار أسرته الذي استولت عليه الكتائب ويفوق سعره اليوم 5 ملايين دولار، بالإضافة إلى تسبّبه بتصفية عائلته، والده ووالدته وشقيقته، على يد الكتائب بغرض الانتقام منه. بل وربما لم تكن لتحصل مذبحة صبرا وشاتيلا بعد أيام قليلة على اغتيال بشير لو أن الأخير بقي على قيد الحياة.

ترى، هل قرر نظام الأسد الابن، بالاتفاق مع ميشال عون، إسقاط ورقة حبيب الشرتوني من خلال إصدار قرار المحكمة الأخير، لا سيما وأن السلطة المطلقة في لبنان الآن بيد حزب الله؟

ليبقى اللغز الكبير مفتوحا؛ من الذي اغتال الجميّل في ذلك الوقت المختلط، هل هو حافظ الأسد؟ أم إسرائيل بيغن؟ أم الحزب القومي السوري؟ أم جهة مجهولة لها المصلحة اليوم بإغلاق الملف؟

12