حبيب الصايغ مبدع طوع الشعر فأسرته الصحافة

الأحد 2016/12/04
إماراتي تكرمه بلاده كأول مواطن يترأس اتحاد الكتاب العرب

أبوظبي - كرّم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الشاعر حبيب الصايغ، لكونه أول إماراتي يشغل منصب الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. وهنأ أحمد العسم، نائب رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، في بيان قبل أيام، الصايغ، على تكريمه. وقال “إن الصايغ صاحب تجربة شعرية كبيرة تجاوزت في حضورها الساحة الإماراتية والخليجية إلى الساحة العربية، كما أنه واحد من كبار الإعلاميين العرب، وقد استطاع منذ انتخابه رئيسًا لمجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات أول مرة عام 2009 أن يجعل من الاتحاد مؤسسة قوية لها صوتها المسموع داخل منظومة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ما أهّله في ما بعد لأن يتولّى مهمة الأمين العام للاتحاد العام في سنة 2015، لينقل بذلك اتحاد كتاب وأدباء الإمارات إلى موقع قيادة العمل الثقافي العربي، بما يتلاءم مع موقع دولة الإمارات العربية المتحدة ككل من حيث ريادتها وتصدرها لمشاريع التنمية في المنطقة”.

وتتداخل لدى حبيب الصايغ، الشاعر والإعلامي الإماراتي المتميز، الأزمنة والمعارف ومستويات العرفان، مما يجعله ظاهرة فريدة على المستوى الإبداعي، فهو الشاعر الذي يوظف الإعلام لخدمة الوجدان، والإعلامي الذي يجعل اللغة طيّعة ومرهفة ومعبّرة وخادمة برونقها الجمالي لكل صنوف الإعلام، بما في ذلك السلبي منها، وتتمّ عملية الفصل بين الحالتين، أو الاندماج الكلي فيهما بوعي تام، ويمكن القول إن الشعر والإعلام لدى الصايغ مثل الماء والهواء، دون تمييز أيهما هذا، وأيهما ذاك. إنه مبدع طوّع الشّعر فعشقتْهُ الصحافة.

الحكم السابق لا يطلق هكذا من باب الوصف، وإنّما يُذكر بهدف التأسيس لما هو آت، بل إنه يُمهّد للحديث اللاحق عن ذلك “التمرد الجميل” لدى الصايغ. فما كان للنقّاد أن يعترفوا له في وقت مبكر -وهو لا يزال طفلا- بإبداعه، ثم تميزه في مرحلة الشباب، ثم اعتباره واحداً من رواد حركة الشعر الجديد في الإمارات ومنطقة الخليج، وأيضا ما كان للدارسين أن يتناولوا شعره عبر المئات من الدراسات، وما كان لشعره أن يأخذ بعده العالمي من خلال ترجمة قصائده إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والصينية، ما كان ليحدث كل هذا لولا أنه سحب إلى عوالمه عقولاً وأفئدةً، وقلوباً حركتها من الأعماق نصوصه الشعرية.

أفاد الصايغ من دراسته للفلسفة ومن ثم علم اللغة المقارن، في طرح جملة من القضايا والأفكار ذات الإشكاليات المعرفية، والتي تحمل أبعادا وجودية وكونية، منها ما يتعلق، أحيانا، بعالم الغيب تطلعا وتساؤلا وتأويلا وإفضاء للنفس من عبء المساءلة، وترويحا عنها لتنطلق في عوالم شتى، تتّخد من الواقع حينا ومن الخيال حينا آخر مطايا للسفر البعيد، قد تخيل للبعض أنها نوع من الشطحات، أو أنها غواية الشعر والشعراء لقليل أو كثير من خلق الله، أو أنها ترف لغوي، تنظيري، لمن أراد أن يعترف به في جمهور الشعراء، وما أكثرهم اليوم في أوطاننا العربية.

من شعر حبيب الصايغ
أسمّي الردى ولدي

واسمّي الحجارة فلذة كبدي

كذلك السلالة تستلني، قلت أفتح الباب

الترانيم عند خلود المجرة

فانطلقت يد روحي إلى سرّ أسرارها،

وراحت تزيّنه بالمسرّة

****

في نواحي الأبد وبالموت…

حتى إلى الخلد تلحقني يا ابتدائي؟

أردت أقول:

وحتّى إلى الخلد تلحقني يا ولد؟

أجيئك والعمر ينهي مكيدته حيث يبدي

وحيث المنايا معلقة في حوانيت وجدي

.. وحبيبي يغني معي

وحين يجوع أناوله أضلعي

.. أحاول أن أعلن الحرب وحدي

فلا فرق، سوف أدوس على القلب،

..ومستقبلي يا صديقي

في حريقة صدري

والسراج المعلق في سقف قبري

.. أمي وأجدادي النائمين على حافة البحر

وفي موضع آخر يهزنا المعنى:

ويكفيك ما فيك

فانهض لعلك تقوى على الموت

* من ديوان “أسمّي الردى ولدي”

الصادر في 2012

غير أن المتأمل لنصوص الصايغ الشعرية يجدها تقدم إجابات لأسئلة تراودنا جميعا آناء الليل وأطراف النهار. حتى لو كان من غير المتذوقين للشعر الحر، مثلي، ويأسره الشعر الكلاسيكي، ولا يزال واقفاً عند الأطلال مخاطبا سلمى في جبال حائل مثلا، متناسيا ما في عصره من تطور، الذي هو اليوم في مرحلة مابعد الحداثة.

في مواجهة إشكاليات المعرفة

الإعلام والشعر يتنافسان عن حب الصايغ والولاء له، ويحاول هو أن يكون منصفا بينهما، لكن الواضح حسب مطالعاته، وأيضا بناء على اعترافه هو لـ”العرب”، أنه “مقلّ في الكتابة الشعرية، ذلك لأنه بالنسبة إليه ليس مهنة أو حالة يومية على غرار الكتابة الصحافية أو العادية، وإنما هو حالة من التجلّي والرقيّ والتطلع نحو الأعلى من بواعث العقل والنفس والوجدان”.

لكن بغض النظر عن أيهما صاحب الحيز الأوسع، والحظ الأوفر في حياته، الشعر أم الإعلام، فإنهما يتقاربان زمانيا، وينتظر أحدهما الآخر في نهاية السباق، حتى يخيل لمتابع تجربة حبيب الصايغ أن الفصل بين الإبداع الشعري وبين العمل الإعلامي، كتابة ومسؤولية، أمر غير وارد البته، لأنهما يَنْبَعَان من ذات واحدة، واعية ومنفعلة ومتجاوبة، وتتعمد أحيانا تقديم هذا على ذاك، وهو يرَى، من قريب أو بعيد، أنموذجاً للتمرد الجميل. ولا بد من العودة إلى محطات لافتة كان لها القدر الكبير من الأهمية في حياة الصايغ، لملاحظة التقارب بين الإبداع والمسؤولية عنده.

فقد عُيِّن مديراً للإعلام الداخلي في وزارة الإعلام والثقافة عام 1977، وعمره لم يتجاوز 22 سنة، وبعدها بسنة واحدة (1978)، أصبح نائب رئيس تحرير صحيفة الاتحاد، وفي 1980 أصدر ديوانه الأول “هنا بار بني عبس الدعوة عامة”، وديوانه الثاني “التصريح الأخير للناطق باسم نفسه” ثم ديوان “قصائد إلى بيروت”، وديوان “ميارى”، ليتزامن ذلك مع تأسيسه ورئاسته لتحرير مجلة “أوراق” الثقافية الشاملة في لندن، هذه المجلة التي عمّرت من 1982 إلى 1995، وكان لها تأثير واسع وعميق على الحركة الثقافية محلياً وعربياً، ليتواصل بعد ذلك نشاطه داخل الإمارات ويعتلي مناصب قيادية هامة، ومع كثرتها وتنوعها، إلا أن الصايغ ظل معها، وفيّا إلى الشعر والصحافة معاَ.

في كل دواوينه الشعرية، التي صدرت في العام 2012 ضمن مجموعته الكاملة في جزأين، نجده يكرس في معظم تجاربه لمفهوم النص الشعري، وهو كما جاء في مقدمة ديوانه “أُسمِّي الرَّدى ولدي” فإن معظم كتبه تخضع لرؤية إبداعية، تتجاوز مفهوم التجميع المنفصل لمجموعة من القصائد المكتوبة في مناسبات متعددة، وفي أحوال وموضوعات مختلفة، ليصبح النص الشعري الذي يضمه كتابه أكثر قرباً إلى التصميم الجمالي المعروف في الرواية أو الدراما المسرحية، وهو ما نَظَّر له الصايغ في الكثير من كتاباته وحواراته باسم السرد الشعري.

مكابدة الردى

الواقع أنه على أهمية كل شعر الصايغ، فإن ديوانه “أُسمِّي الرَّدى ولدي” يبقى في نظري أهمها على الإطلاق، لا لكونه عبارة عن قصيدة واحدة طويلة، ولا للغته الجميلة الراقية، وإنما لأن الصايغ يعيدنا فيه إلى قراءة المدارس الفلسفية الكبرى لقضية الموت، وبناء عليه أرى أن عبقرية الصايغ تتجلَّى في ديوانه هذا أكثر من دواوينه الأخرى لجهة الطرح لمسألة الموت، ومناقشتها باعتبارها كائنا قابلا للحوار وللرفض، وبناء عليه سيشكل هذا الديوان في المستقبل مرجعاً هاماً للدراسات المتعلّقة بالشعر الفلسفي، وستتم محاكاته، والاحتكام إليه أيضا.

ويبدو الصايغ متفاعلا مع الأحداث التي تعيشها الإمارات والخليج، ومعظم الدول العربية، ويحمل الهمّ الثقافي. يملك كاريزما خاصة، وهو صاحب جرأة في اتّخاذ أيّ قرار يتعلق بالثقافة. يدافع بشراسة عن الأفكار التي يؤمن بها.

ولأنّه متجاوز لجيله، وأحيانا لعصره، فهو يواجه صعوبات جمَّة، منها عدم فهم كثيرين ممّن حوله للقضايا التي يطرحها على المستوى الثقافي، وإن كان يتمتع بمصداقية تجلّت في انتخابه رئيسا لمجلس إدارة أدباء وكتاب الإمارات قبل سبع سنين وحتى هذه اللحظة، ثم انتخابه أمينا عاما للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب كما ذكرنا.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يكرم الشاعر حبيب الصايغ، لكونه أول إماراتي يشغل منصب الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. تزامنا مع احتفالات الإمارات بيومها الوطني وبمواطنيها الأوائل.

وتكشف الجوائز التي حصل عليها الصايغ عن اعتراف بدوره البارز في الصحافة، وهو المتواجد فيها منذ 38 سنة، من ذلك جائزة “تريم عمران” لفئة رواد الصحافة، وأيضا الجوائز التي حصل عليها في مجال الثقافة، كجائزة الدولة التقديرية، وكانت المرة الأولى التي تمنح فيها لشاعر. واختياره شخصية العام الثقافية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، وجائزة سلطان العويس، وهو أول إمارتي يحصل عليها منذ صدور الجائزة قبل 30 عاما، ووسام دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للإبداع هذا العام، كما تمَّ ترشيحه لجائزة نوبل للآداب منذ العام 2012، وهو أول خليجي يرشح لهذه الجائزة.

غير أن التقدير الذي يحظى به الصايغ من المسؤولين ومن المثقفين الإماراتيين والعرب، ينظر إليه من زاوية المكانة والدور، ولا يتم التعامل معه باعتباره صاحب مشروع ثقافي، واجب التحقق هذا أولا. وثانيا رؤيته في طرح القضايا تُصنَّف ضمن العمل الإعلامي، لتأكيد الشهرة والنجومية والتواجد، ولهذا ينظر إليه بعض من المثقفين، خاصة خصوم الكار، على أنه ظاهرة إعلامية، تستقي شرعية وجودها من دورها في العمل الصحافي. وهذا يخالف الواقع إذا نظرنا إلى الأمر من خلال تجاربه المختلفة في العمل الثقافي، حيث لا تزال أعماله شاهدة، ومحفوظة في ذاكرة الزمن، كما أن هناك من المبدعين والإعلاميين من يشهدون على جدّيته وصدقيته، وأنه فتح المجال أمام الكثيرين على المستويين الإماراتي والعربي.

9