حبيب العادلي وشركاؤه

السبت 2014/07/05

أواخر الشهر الماضي، برّأ القضاء المصري وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي من تهمة التربح وغسيل الأموال، لكنه باق في السجن لقضية قتل المتظاهرين. وفي تونس، يبدو أن رفيق الحاج قاسم (وزير داخلية زين العابدين بن علي) نال إفراجا صحيا مؤقتا. أمثال العادلي والحاج قاسم مسؤولون عن الصورة السلبية لوزارة الداخلية العربية، وعنهم نتحدث، أما الشريحة الأمينة من وزراء الداخلية العرب فنتمنى أن تنال كل مقامات التكريم والشرف والسمو.

إن كانت وزارة الداخلية -في العالم العربي وغيره- وزارة سيادية، فهي أيضا وزارة خدماتية، مهمتها تقديم خدمة الأمن للمواطنين لا تلقّي الخدمة من المواطنين كما يتصور البعض. كل العاملين في الوزارة ليسوا من الملائكة أو الأنبياء، هم معرضون للخطإ والصواب، وعليه فالواجب مكاشفتهم بالإحسان أو بالتقصير. المطلوب هو أن يرضى المواطن عن أداء وزارة الداخلية ووزيرها، لا أن ترضى الوزارة ووزيرها عن المواطنين كما هي دنيا العرب.

وزارة الداخلية العربية في دول الثورات سبب رئيس في تحقق الربيع العربي، حين حرفت مهمتها إلى تقديم خدمة الأمن للنظام، فقمعت المواطن وعذبته وحولت وطنه إلى معتقل، وكانت النتيجة غضب المواطن على الجميع. تكفلت وزارة الداخلية العربية -أيضا- بتزوير إرادة الشعب في الانتخابات، فلم يصبح أمام الشعب إلا أن يعبّر عن إرادته بالقوة. إنها لمفارقة أن يكون حماة الأنظمة ثغرات سقوطها.

قبل ثورة يناير، غيّر وزير الداخلية حبيب العادلي شعار وزارته من “الشرطة في خدمة الشعب”، إلى “الشرطة والشعب في خدمة الوطن”، لم يقصد الوطن بل النظام، هذا المنطق يعبّر عن وزارة الداخلية العربية التي تنظر إلى المواطنين بعين الشك والاتهام حتى يثبت العكس. الأنظمة العربية تطلب الولاء من المواطن، والصحيح أن يطالبها الشعب بالولاء له.

وفق رواية وزارة الداخلية العربية في دول الثورات، يقف العملاء خلف الربيع العربي، والطريف أن الوزارة لم تتنبه إلى “العملاء” إلا بعد سقوطها لانشغالها بملاحقة المثقفين والأحرار عن توقيف المجرمين والقضاء على الجريمة. تحالفت وزارة الداخلية العربية في دول الثورات مع الظلاميين والفسدة للقواسم المشتركة بينها وبين الظلاميين، ولا تعاديهم إلا إذا خرجوا عن طوعها لأنها تخاف النور وترى الظلام استقرارا.

ليس هناك تضادّ بين “تقديم خدمة الأمن للمواطنين” و”حقوق الإنسان”، ومن يعتقدون بهذا التضاد يجب أن لا يكون لهم مكان داخل الوزارة عملا أو استماعا. انتقاد وزارة الداخلية، رمى إلى تقديم الخدمة الواجبة عليها بأفضل صورة ممكنة، لذا على الوزارة أن ترتاب ممن يصوّرون النقد وسيلة لإضعاف الوزارة أو إساءة إلى وزيرها، أما من يصورون البحث عن المصلحة العامة دعما للإرهاب أو تعاطفا مع تنظيم محظور فأولئك أعداء الوطن كله، مع التأكيد على أن دعم الإرهاب جريمة تستحق الإعدام.

التناول الإعلامي لمناطق الاحتكاك بين وزارة الداخلية وبين المواطن لن يساهم في تعقيد الأمور أو ينتقص من الوطنية كما تتصوّر وزارة الداخلية العربية. إنها شهادة للوزارة إذا تساوى تعاطيها مع منتقديها وتعاطي وزارة الصحة -مثلا- مع المنتقدين. الصحافة الحرة تاج على رأس الحاكم، والصحافة الخانعة حذاء في قدمه كما يقول مصطفى أمين. لا يعقل أن تضيق دولة محترمة وراسخة بحروف مواطن عبّر عن استيائه أو انتقاده وتصوير ذلك خطرا على الدولة وكأنها جمهورية موز. إن الذين ينتقدون الجهاز الرسمي علنا أرفع وطنية من الذين يضمرون انتقادهم سرّا ويظهرون المدائح في العلن، فالمنتقد واثق في نظامه السياسي، أما المنافقون فأظهروا الثناء صيانة لموقفهم السلبي من النظام. إن من يمنعون وجود مسافة من الاختلاف بين النظام الرسمي وبين الناس هم فعلا زارعو الفتنة في علاقة الحكم مع المواطنين، لأنهم المصنع السخي في إنتاج المنافقين.

لوزارة الداخلية العربية قائمة من الاتهامات الفضفاضة التي تستطيع عبرها زجّ المواطن في الجحيم لمجرّد أن يقول لا، ومنها: إهانة الشعور القومي والإساءة إلى المقدسات. لن تفهم تهمة “إهانة الشعور القومي” لأنها لم توجه -على مرّ تاريخ العرب- إلا لأرفع الناس إخلاصا، ولك في ميشال كيلو المثل الأنصع. تهمتا الردة والإساءة إلى المقدسات مثيرتان للريبة نظرا لاستخدامهما غالبا في تصفية الحسابات الشخصية والفكرية، ولنا في قضية نصر أبوزيد المثال المبين. على الحريصين على الإسلام إدراك انعدام الجدوى من اعتناق الدين بالإكراه، واستيعاب السنة الطبيعية في التنقل الفكري وحرية التساؤل. إن إظهار الدين بمظهر العاجز عن استيعاب مخالفيه أو الحوار معهم أو تقبل النقد أشدّ إساءة إلى الدين من إنكاره، بل لعله مسبب رئيس في رفضه تكاملا مع الخطاب الديني المتشدد اجتماعيا وسياسيا.

وزارة الداخلية العربية فعلت ما تشاء -قبل الربيع العربي- خصوصا وأن جهاز القضاء في بعض دنيا العرب مخترق من المخبرين والظلاميين والفسدة. كما أنها لا تعبأ بمبدإ “الشفافية” من باب التعالي والنرجسية الأمنية. ترتاب وزارة الداخلية العربية من الصحافيين “لأنهم يشوهون صورة الوطن في الخارج”، الصحافيون لا يسيئون للوطن حين ينقلون الخبر، بل وزارة الداخلية العربية هي من تفعل حال وقوع الظلم.

أتمنى أن يدرك شركاء العادلي والحاج أن التأثير السلبي على مستقبل مواطن -بإهانته أو تقييد حريته- بلا جرم حقيقي صنع مواطنا مسخا، لا مواطنا صالحا ومخلصا، وربما أتت النتيجة -في حال حسنت النوايا- مناقضة للهدف المطلوب، فالتعسف لا يخلق إلا الكراهية. كلنا مطالبون بالقليل من التواضع والمزيد من الشفافية. وعلى الجميع إيقان استحالة إحياء الدولة الأمنية عبر استغلال الظروف الراهنة.

إذا شعرت أيّة وزارة داخلية عربية اليوم بالانزعاج من هذه المقالة -وأركز على نظام نوري المالكي ودولة بشار الأسد- فعليها أن تبدأ -فورا- في إصلاح نفسها أو الرحيل.


صحافي سعودي

9