حب الأمس، خلاف في الغد

الأحد 2017/02/19

سرعان ما تبلغ العديد من قصص الحب نهايتها بعد فترة من الارتباط الرسمي بالخطوبة أو بالزواج. ويتخذ أحد الطرفين أو كلاهما قرار فسخ الخطوبة أو الطلاق. وعندما تتحدث مع كل واحد منهما على حدة تجده يقدم أسبابا مختلفة عن تلك التي يقدّمها الطرف الآخر إن لم نقل أنها عكسها تماما. ويتجه كل واحد من الطرفين إلى اتهام الآخر ليجد مبررات لأخطائه وتصرفاته التي أوصلت علاقتهما إلى النهاية.

وفي أغلب الحالات من يتدخل بين الطرفين ليصالح بينهما يجد نفسه في دوامة مفرغة حيث يعجز عن الفهم وعن تحديد أيهما المخطئ خاصة إذا كان عمر العلاقة طويلا حيث تراكمت المشاكل والاختلافات والأخطاء وتجد لكل طرف ما يكفي لتأليف كتاب من النقد والتذمر والشكوى من الطرف الآخر. فيجد المتدخل نفسه في موقع لا يحسد عليه حيث لا يستطيع إنصاف أيّ منهما ولا تحقيق التقارب في وجهات النظر بينهما علّه يكون بداية إصلاح العلاقة.

وعندما تكون العلاقة مبنية على قصة حب وعن قناعة من الطرفين فإن جبر الخلافات يكون أصعب بالنسبة إلى الطرف الثالث سواء أكان من الأقارب أو من الأصدقاء لأنه يصطدم بجدار الانتظارات. فكل طرف من الزوجين أو الخطيبين يعلق آمالا كبيرة على ارتباطه بالشخص الذي أحبّه وتكون انتظاراته بالتالي أكثر بكثير من إنسان يرتبط بطريقة تقليدية. علاقة الحب تفتح الباب على مصراعيه أمام الأحلام الوردية والجميلة فيتصور الشخص أنه سيعيش حياة زوجية سعيدة مليئة بالتفاهم والانسجام والرومانسية ويتوقع الكثير من شريكه الذي لطالما وعده بالحب مدى الحياة وبسعيه الدائم لإسعاده وبأن يكون شريكا فعليا له يتقاسم معه الأفراح والأتراح كما يقال، ويشاركه جميع المسؤوليات ويتفهمه.

وكلّما ارتفع سقف الوعود الجميلة والأحلام الوردية كلما ازداد منسوب الانتظارات والتوقعات.

وبعد الارتباط الرسمي، وخصوصا بعد إنجاب الأبناء وتعاظم المسؤوليات الأسرية، ينتهي زمن الوعود والكلام وتأتي مرحلة التطبيق والإنجاز والأفعال فيصطدم أحد الشريكين أو كلاهما بالواقع ويقع في فخ المراجعة والمقارنات بين ما تلقّاه من وعود وما يعيشه فعليا، وبين الأيام الأولى من العلاقة وبين حاضرها، وبين ما يعيشه غيره في العلاقات التي تبدو له ناجحة.

هذه المقارنات المبنية على أساس التوقعات بالنجاح في العلاقة وعلى الإيمان بالحب المتبادل وما يصل إليه الطرف القائم بها من استنتاجات قد لا تجد آذانا صاغية لدى الشريك لمحاولة تقريب المسافة بين الواقع والانتظارات ما من شأنه أن يوصل طرفي العلاقة إلى حالة من اليأس والإحباط تجعلهما يفكران في الانفصال.

كما أن علاقات الحب التي تدوم لفترة طويلة قبل الارتباط الرسمي والتي تقوم على الكثير من العطاء والتضحيات بين المحبّين وكذلك التي تصل بصعوبة إلى التتويج بالزواج بسبب الصعوبات المادية أو الاجتماعية أوغيرها، أو تلك التي تبنى على تحدي الأسر الرافضة للعلاقة ولشريك ابنهم أو ابنتهم وتكثر من ورائها الانتظارت فيتوقع الشريك أن يكافئه الطرف الآخر على تضحياته أو على تحديه لعائلته لأجل حبهما ويكون تعلقه شديدا بحلم الحياة الزوجية السعيدة والمثالية وهو ما يوقعه في تقييم الحياة المشتركة بعد الارتباط ويكون مرجعه في ذلك ما حلم به وما انتظره من حب لا حدود له من شريكه.

لفتت انتباهي لهذه المسألة إحدى الصديقات بعد أن تحدثنا وتناقشنا مطولا في أسباب قرار طلاقها وبعد أن نبشنا في كل التفاصيل والدوافع واتخذت أنا موقع المدافع عن زوجها فإذا بها تصل إلى استنتاج أن السبب الرئيسي لخلافتهما التي أوصلتهما إلى هذا القرار يكمن في حجم انتظارات كل طرف من الآخر. انتظارات منها المعقول والمقبول والممكن ومنها ما لا يمكن تحقّقه لأنه من قبيل الأحلام والمثل.

وغالبا ما تكون نتيجة الانتظارات الكثيرة والجميلة وما ينتج عنها من مقارنات بين بداية العلاقة ووضعها بعد سنوات نقطة البداية لمشاعر عدم الرضا التي تترجم إلى خلافات وشجار بين الطرفين والتي تتفاقم ما لم يتمتع أحدهما بالعقلانية وبالواقعية وما لم يتحليا بالصبر وبالأمل في تجديد مشاعر كل منهما تجاه الآخر، فيكون اليأس من إصلاح العلاقة، وبالتالي من نجاحها إلى أن يبلغ اليأس أشده ويدفع بأحدهما أو بهما معا إلى الإقرار بفشل العلاقة واتخاذ قرار الانفصال.

ومهما تكن نوعية المشاكل والخلافات بين الطرفين والتي يقدمانها لمحيطهما على أنها سبب الانفصال فإنها بنظري مرتبطة دوما بالتوقعات المسبقة من العلاقة ومنها تأتي المقولات التي تفيد بأن نهاية الحب هي الزواج، لأن الحب كعاطفة جميلة وما يلفّها من أحلام وردية تجعله يقترب من المثالية التي يصعب تنزيلها على أرض الواقع، لذلك يردد كثيرون أن الحب وهم وأنه شعور غير موجود إلا في الروايات والمسلسلات والأفلام. وهذه المثالية في مشاعر الحب وفي الانتظارات تصبح مجرد تنظير ما إن تثقل بالارتباط المادي وبالواقع الاجتماعي والاقتصادي وبالمسؤوليات اليومية في نطاق الأسرة.

صحافية من تونس

21