حب التملك بين الفطرة والممارسة

الأحد 2017/10/29

التملّك من السمات التي طبعت القوانين الاجتماعية والأعراف الشعبية وخاصة في المجتمعات التي تطغى فيها النزعة الذكورية ويسود فيها معنى "القوامة"، ذلك أن الرجل مسكون بغريزة حبّ التملك لكلّ شيء بمن في ذلك المرأة، سواء كانت أمّا أو زوجة أو ابنة أو حتى زميلة في العمل أو صديقة، والتي من المفروض أن تكون شريكة فاعلة في الحياة الأسرية والاجتماعية عموما، لا مملوكة وفاقدة للحرية ومكبّلة عن كل محاولة للفعل الواعي والمثمر، وإن حدث وفعلت فلن يتمّ ذلك إلا تحت الوصاية الذكورية.

ولكنّ المنطق والممارسة والتجربة، كلها أمور تشرعن طرح السؤال التالي: هل حبّ التملك حكر على الرجل دون المرأة أو أنها أيضا مهووسة بحب السيطرة والأنانية، خاصة في ظل ما تمتّعت به من حرية ومساواة اجتماعية؟

منطقيا حب التملك شعور إنساني جامع لا يختص به الرجل دون المرأة ولكنّ التراكمات الاجتماعية عبر العصور أسندت للرجل -موضوعيا بحكم بنيته الجسدية- واجب الحماية والقوامة، فتحولت المجتمعات تلقائيا إلى تغليب الذكورة وإعلاء شأن الرجل الذي تبوأ بل استأثر بكل أنواع القيادة النفسية والمادية والذهنية.

ولكن أمام التطور الفكري والعلمي والتقني والحضاري عموما ترهّل مصطلح القوامة والقدرة لدى الرجل حين اكتسحت المرأة جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية وأصبحت مساهمة فاعلة في دورة الإنتاج وصنع الثروة والتصرّف فيها. هذا الوضع لم يفقد الرجل سطوته وعشقه لمفهوم “السيّد” بل سعى إلى تجاوز الوضع الموضوعي ليمارس عنفا نفسيا وجسديا ليبرهن للمرأة أنها ملك له ولا يمكن أن تكون ندّا.

المرأة بدورها سعت إلى بسط سطوتها وتجسيد سيطرتها على العائلة وعلى رأسها الرجل، لشعورها بأنها ندّ موضوعي لا يقل أهمية عن الرجل. هذا الشعور راكمته وسائل الإعلام التقليدية والحديثة وبالخصوص وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت صوت من لا صوت لها، تسمح بالتفاعل في الاتجاهين الإيجابي والسلبي معا.

ولكن المرأة -دون تعميم طبعا- لم تحسن استيعاب الحقوق التي ناضلت من أجلها وتحصلت عليها في ظل التطور الطبيعي للمجتمعات، ولم تقدم لها هدية. فسعت دون وعي حقيقي بمفهوم المساواة التي تعني أساسا التشارك الفاعل والمثمر، إلى قلب المعادلة من مضطهدة إلى مسيطرة، وقد مكنتها طبيعة التركيبة الأسرية الحديثة التي تجاوزت ثباتها واستقرارها لتعيش حركية دائمة ومتجددة، من أخذ زمام المبادرة بل افتكاكها من الرجل لتمارس بدورها التسلّط بمفهومه المادي والمعنوي والنفسي خاصة، فتتملكها طبيعة حب التملك.

هذه المعطيات في الاتجاهين الذكوري والأنثوي ساهمت بكل تأكيد في احتدام الصراع المعلن أحيانا والمتخفّي أحيانا أخرى، فعند اقتناع الجنسين بضرورة التسلط وبسط الهيمنة المادية والنفسية فلا مجال للتنازل وإرخاء الحبل لتستمر الحياة بتحمّل أحد الطرفين تبعات التملّك، ينشب الخلاف ويحتدّ فيذكي ظاهرة العنف الذي تتصاعد وتيرته شيئا فشيئا، فالعنف اللفظي أصبح أمرا مألوفا في عائلاتنا حتى غدا سمة تسم العلاقات الأسرية في الاتجاهين الأفقي والعمودي، والأدهى والأمرّ أن الأبناء بدورهم تطبّعوا بهذه الطباع سواء في ما بينهم أو في علاقاتهم بالوالدين وأفراد العائلة الموسعة، وقد كان لذلك تبعات حتى في الوسط المدرسي الذي لم يسلم بدوره من هذا العنف رغم طابعه التعليمي والتربوي والتثقيفي.

تطالعنا مواضيع العنف المادي؛ الأسري والاجتماعي والمدرسي على أعمدة الصحف المكتوبة والإلكترونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التلفزيون في شكل برامج حوارية يُستَدعى فيها ضحايا العنف ومرتكبوه معا.

فالعنف -تحت ضغط غرائز التملّك- لم يعد ممارسات استثنائية بل ظاهرة لافتة للنظر تسببت في انهيار العلاقات داخل الأسر وفي المجتمع، فارتفعت نسب الطلاق مثلا إلى حدود مخيفة والتي يكون ضحيتها الأبناء أساسا.

وإذا سلمنا جدلا بأن حبّ التملك من الغرائز الفطرية في الإنسان فهذا لا يعني أن ينقلب الأمر إلى أنانية وحبّ للذات قد يصير مع الوقت مرضا لا شفاء منه.

على الرجل كما على المرأة أن يتجاوزا الأنانية والانتهازية وذلك بوعيهما بإنسانيتهما دون اعتبار للجنس وفوارقه الجسدية والذهنية والتي أثبتت التجارب العلمية زيفها. عليهما أن يعتبرا أن الحياة التي تجمعهما تحت سقف واحد ليست حلبة للصراع أو السيطرة أو العنف بل هي ساحة تشارك فعلي في صياغة طبيعة التعايش السلمي مع الحفاظ طبعا على الفوارق والاختلافات في بنية التفكير والمرجعيات.

من واجب الأسرة الأوكد أن تعلم أبناءها لغة الحوار البناء والمثمر، ونبذ كل أشكال العنف، والاعتراف بالاختلاف بين أفراد الأسرة دون سعي إلى محو شخصية أحد ما بفعل ممارسة التسلط عليه تحت أيّ مبرر. بهذا المفهوم التشاركي للعيش الأسري والاجتماعي يصبح مفهوم “حبّ التملّك” لا معنى له.

كاتب تونسي

21