حب القنابل

الأحد 2015/03/15

لا أعرف حتى الآن سببا لغرام المصريين بالقنابل، بمجرد أن نسمع دويّ انفجار في وسط القاهرة أو أطرافها، إلاّ وتجد المصريين يتدافعون بسرعة البرق ليتحلّقوا حول مكان القنبلة.

زحام أشبه بخزينة صرف المرتبات أول الشهر، نداءات الشرطة والدفاع المدني للمواطنين لإفساح الطريق لإنقاذ الضحايا وإسعافهم أو لنقلهم للمقابر لا تجد آذانا صاغية!

يصرون على الوقوف والتزاحم بالمناكب لرؤية الحادث، وكأنما يشاهدون فيلما لكيم كاردشيان، لا أعلم ما سرّ تزاحمهم، هل هم خبراء مفرقعات ربما يساعدون في جمع الأدلة الجنائية عن الحادث؟ أم أنهم يفضلون الحضور في مكان الحادث، ليقسموا بعد ذلك في جلساتهم العائلية أو بالمقاهي أنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من الموت؟

المهم أن كثيرين أصيبوا من جرّاء هذا التدافع، إما لسقوطهم تحت الأقدام أو لأن الشظايا أصابتهم، الجميع أصبحوا خبراء إستراتيجيين في الإرهاب والتفجيرات، مع أن كل معلوماتهم مستقاة من ضيوف الفضائيات.

وهناك أسباب كثيرة أخرى منها حمّى التصوير بالموبايل، فنحن أصبحنا نهوى تصوير الضحايا وسقوط العمارات والأشلاء، ونتداول كل ذلك على الإنترنت، ويشجع على ذلك أن المواقع الصحفية تشتري هذه الصور بمبالغ كبيرة.

التزاحم أيضا له فوائد أخرى، فعندما تحضر القنوات الفضائية لتصوير الحادث يمكن للمتزاحمين الظهور لثوان على شاشة إحدى المحطات التليفزيونية، وعند تكرار الخبر في النشرات ينطلقون في الاتصال بأقاربهم وأصدقائهم ليشاهدوهم على الشاشة الصغيرة.

حمّى تصوير الحوادث بالموبايلات اجتاحت المصريين، وأصبحوا يتبارون في من صوّر حوادث أو تفجيرات أكثر، وبلغت المأساة ذروتها عندما عرضوا على “الفيسبوك” مؤخرا فيديو التقطه صاحبه بكاميرا الجوال لفتاة يتم اغتصابها من شابين، وبدلا من أن يتدخل لإنقاذها اكتفى بتصوير جسدها!

الحكاية ببساطة يبدو أن المصريين فقدوا النخوة والشهامة من كثرة الحوادث والدماء التي شاهدوها، ومن ثمة فإنهم فقدوا الإحساس بالمآسي التي نعيشها، وحوّلوها إلى مولد أو احتفالية شعبية تمتلئ بالهرج والمرج.

على أيّ حال كل التفسيرات التي قدمتها سابقا مجرد اجتهادات، لكن الإجابة الصحيحة ربما نعرفها إذا ما أعلنّا عن مسابقة لمعرفة من سيتوصل إلى تفسير حقيقي للتزاحم حول أماكن التفجيرات والحوادث. الإجابة الصحيحة ستكون عبارة عن قنبلة صغيرة للاستخدام المنزلي من أجل إسعاد الأولاد والأسرة، وحسبي الله ونعم الوكيل في الجهل والبلادة وعدم الإحساس.

24