حب بلا ضجيج

الكثير من الزيجات تتم في هدوء، وربما في حفلات منزلية بسيطة، وتكتب لها الديمومة والاستمرار، في ظني أنها تعبر عن حب قوي، هادئ بلا ضجيج.
الاثنين 2019/08/19
حب قوي هادئ بلا ضجيج

زادت وتيرة تصوير حفلات الأعراس في شهور الصيف، واستنساخ مشاهد وحركات كثيرة غريبة ودخيلة على مجتمعنا العربي كلية، وزادت معها التقاليع الجديدة التي يطلقها العرسان الجدد على مرأى ومسمع من الحضور ومعها بالطبع الكثير من الجدل والنقاشات الطويلة وهي من الأمور التي عرفت طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

فهذا شاب يركع على قدميه ليقبل حذاء عروسه وسط موجة من التهليل، والتصفير والتصفيق إعجابا بفعلته، وأيضا الهتافات الساخرة، الرافضة لصنيعه المزري.

 ودائما ما ينقسم الناس على الفعل الواحد، فلا اتفاق مطلقا ولا اختلاف مطلقا، لكن بعض الأفعال تستثير حفيظة كثيرين بما يفوق الوصف ويرفعها لمصاف الاستهجان والرفض الشعبي.

وآخر يخلع ملابسه ليظل نصفه الأعلى عاريا تماما، ويحتضن عروسه التي تساعده في ارتداء ملابسه سريعا!!!.

حار كثيرون في تبرير وتفسير الفعل الساذج، ولم تفلح معه تبريرات شتى، عن أن العريس يحاول إيصال رسالة رمزية لعروسه مفادها “أنها ملاذه، ومعينة له على أصعب الأمور، وأبسطها”.

ناهيك عما يطلق عليه مجازا في موقع الفيسبوك، موقعة “الكوتشي”، و”البيجامة الحمراء”، حيث ظهرت عروس خلال حفل زفافها بكامل أناقتها لكنها ترتدي حذاء رياضيا رجاليا، حتى تتمكن من الرقص لساعات طويلة، سلوك يتخاصم تماما مع قواعد الأناقة والرقي في ما يخص ملابس الأعراس، والمناسبات الاجتماعية.

وعروس أخرى تفاجئ ضيوف حفل زفافها بارتداء بيجامة نوم من قماش الساتان اللامع، وسط دهشة الحضور، فيما الجميع بملابس السهرة، فتيات كثيرات يخشين أناقة العروس، تجملن بما يكفي ويليق بحفل زفاف إحدى فتيات المجتمع الراقي، وابنة رجل يصنف ضمن أثرياء المجتمع ووجهائه، بيد أن العروس ذاتها لا تعبأ بمن حولها، ارتدت ملابس النوم، ملابس لا تليق باستقبال ضيف، حتى لو كان أحد أفراد العائلة!!

يتنافس شباب وفتيات في ابتكار تقاليع غريبة وجديدة، بعضها محض صدفة وخيال، والبعض الآخر تقليد أعمى لتقاليع دخيلة على مجتمعنا العربي الملتزم، وبقية محافظة على عادات وتقاليد ومورثات قيمية وأخلاقية رصينة.

أفكار متباينة مأخوذة عن أفلام ومسلسلات ليست سوى محض خيال مؤلف، لكنها في غرابتها وخروجها عن المألوف لاقت اهتمام فئة مراهقة فكريا رغم كون عمرها يشي بنضوج هش.

تسجل مصر أعلى معدلات طلاق خاصة في السنة الأولى من الزواج، نظرا لاختلاف البيئة والثقافة وزاوية الرؤية للكثير من المشكلات الحياتية، وهذه المعدلات التي تتعاظم ترجع لأسباب كثيرة، لاسيما بعد تدخل الأهل من الطرفين مما يؤدي إلى فشل العلاقات سريعا.

بعد كل هذه الضجة التي أثارها العروسان في حفل الزفاف، وحديث مواقع التواصل الاجتماعي عن تصرف ما أو تقليعة انتهجها أحدهما أو كلاهما يأتي في بعضها الطلاق بعد أن يظن المدعوون أن العروسين قادران على السباحة ضد كافة التيارات، وأن الشاب الذي انحنى ليقبل قدم عروسه بعد خلعه لحذائها جاهز لمواجهة الصعاب حفاظا على حبه.

أرادت ابنة جارتنا العشرينية، الجامعية، الحسناء تقليد هذه الأعراس، وانتهاج سياسة “خالف تعرف”، ابتكرت مع عريسها الشاب فكرة مجنونة، غير تقليدية، لعلها تعلق في أذهان الحضور، ليتندروا بها لسنوات، فتفتق ذهنهما عن تمثيل مسرحية قصيرة أمام المدعوين، بأن قام الشاب بدور العاشق الولهان، وهي تتدلل عليه وسط انبهار طافح على ملامح الجميع. انتهت المسرحية بأن قبّل يديها وقدميها، وأطلق على نفسه الطلقات النارية، من مسدس صوت، وسالت دماء غير حقيقية على ملابس العرس، لتصفح عنه العروس في نهاية الحفل، وتسامحه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتقبله قبلة حميمية، يقاوم بها الموت، ويكافئها بقبلة أكثر سخونة من مشاهد الأفلام السينمائية المصنفة للكبار فقط.

اعتقد الجميع بأن ما بينهما أقوى من أي مشاعر وأن قلم المأذون لم يكتب النهاية، وإنما ركع القلم في خشوع ليسجل صدق الحب الطازج، وكتب شهادة ميلاد لحياة زوجية انتهت بالطلاق بعد ثلاثة أشهر فقط!!

ثمة مشاعر أراد أحد الطرفين الجهر بها، بيد أن الحقائق، والواقع، وما حدث من خلافات في الفترات الأولى للزواج، وعدم الثبات أمامها كلها عوامل عجلت بحدوث الطلاق سريعا، وهو ما يؤكد كذب ما يحاولان الترويج له.

أعتقد أن الرسائل التي تتلقاها من الطرف الآخر ليست صحيحة مئة بالمئة، فالكثير منها لا يمثل انعكاسا حقيقيا بل مجرد فقاعة أو بالونة صابون كبيرة تنتظر لفحة هواء، أو رأس دبوس حاد لفض انتفاخها الهش، وانفضاض ما بها.. هواء يتطاير مع الريح.

والكثير من الزيجات تتم في هدوء، وربما في حفلات منزلية بسيطة، وتكتب لها الديمومة والاستمرار، في ظني أنها تعبر عن حب قوي، هادئ بلا ضجيج.

21