حب تحت الثرى

الثلاثاء 2016/04/26

أزعجني صوتها القادم من الفراغ والنغمة الحزينة، المحبطة، المكبوتة التي تجاهد من أجل التحرر من حنجرة فقدت القدرة على الكلام، وبقيت ليلتي لا أقوى على نسيان نبرتها الحزينة التي أصبحت لحنا مكررا تعيدها أذناي من المجهول حد الرتابة أو التوحد مع نبرتها، حقا لا أعرف، فكل ما أعرفه أنني تكومت القرفصاء على سريري أرغب في إزاحة ظلام الليل بيدي، وجلب ضوء الشمس حتى أستطيع الذهاب إليها واحتضانها، كم هي بريئة في حزنها، صادقة في حبها المدفون تحت الثرى، وشطر من قلبها سكن التراب ونام للأبد.

صديقتي الجميلة المهندسة منى فوزي تبكي أبيها بعد أربع سنوات من الفراق وكأنه كان بالأمس مسجى على فراش الموت، تشعر بالفقد يحتوي قلبها ويسجن روحها حتى أضحت دنياها عالما من فقد ولونا من رماد يلفها، أعلم أنها لم تقصر في حب أبيها ورعايته حيا في عالمها ولم تكن لتشعر بحبه بعد الفقد ليس فقط إيمانا في بنوتها الحنونة وقلبها الذائب فيه أبا ومعلما وصديقا، ولكن كون منى قطعة من حنان تمشي على الأرض، حتى أنني في الكثير من الأحيان أشعر وكأنني أمام أمي (رغم عدم وجود فارق في السن بيننا).

منى لم تعرف قيمة أبيها الراحل بعد وفاته فحسب، وإنما كانت تبره في حياته وتحسن إلى قلبه، الصديقة التي تعرف متى تخفف الألم، كانت الأم لأخواتها بعد رحيل أمها المبكر، ولكنها ورغم تعودها على المسؤولية تشعر الفقد لرحيل أبيها بشكل يدمي القلب، أشعرتني منى أن الحب بين البنت وأبيها يفوق كل قصص الغرام وأن حب الرجل والمرأة نسخة باهتة لحب أرقى وأعظم.

ولكن هناك الكثيرين الذين حولوا صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبصفة خاصة الفيسبوك إلى صفحات من التعازي والمواساة، أشعر وأنا أقرأها من دون مبالغة أنني أمام صفحة الوفيات، فتيات ونساء بل ورجال كانوا لا يتحملون مرض أبائهم أو أمهاتهم أو إخوانهم ويشكون منه مر الشكوى، يتحاملون على أنفسهم بضجر معلن ومبالغ فيه، ويتاجرون بمرض ذويهم لتحقيق مصلحة ما، رأيت امرأة تتحدث إلى مديرتها لمد إجازتها نظرا لمرض أخيها وإجرائه جراحة خطيرة وهامة وهي ترافقه ولا تستطيع تركه لحظة واحدة، رغم كونها تتكرم على أخيها بزيارة شحيحة بين الحين والآخر حتى دون عناء حمل هدية أو كلمة راقية ترفع عنه ألمه، على الرغم من متاجرتها بهذا المرض وكسبها منه الكثير. فهذه وأمثالها يتاجرون بالمرض والموت وكل شيء حتى وإن كان لا يخضع لقوانين السوق.

ورجل ذو منصب تزوج من امرأة بسيطة وحين أنجبت ابنها الوحيد وتغيرت حال الرجل تركها وهجر الحياة رفقتها، سحبته دروب الحياة وكهوف المال والجاه إلى جوفها، لم يفق إلا حين هاتفه ولده ليخبره بموت أمه، فأقام لها سرادق عزاء فخم، مهيب، كان حديث القرية البسيطة لعدة أشهر، ووقف يتهامس مع ابنه يسأله: هل وفيتها حقها؟ وبتعجب شديد أجابه الشاب: كانت تحضر ثمار الفواكه العطبة لنأكلها، فماذا لو كانت تكاليف السرادق أنفقت في حياتها؟ ماذا لو تقدم الزمن سنوات واحتضنتها بقلب حنون؟ طرح العشرات من الأسئلة دون جدوى.

لم تكن كلمات الابن الصاعقة صفعة على جبين الرجل وحده بل إنني أضم إليها الملايين من الكلمات وأصفع بها من يتاجرون بحبهم المدفون تحت الثرى، يبكون أمواتا لم يحسنوا إلى حياتهم، أو مرضى لم يتحملوا أمراضهم، يوزعون الورود على أرواح لما يروا في حامليها شيئا غير مصالحهم الشخصية، يرتدون أثوابا فضفاضة ونفوسا ضيقة حد الخنق، يدعون الحب ولا يحملون قلوبا بالأساس، كمن يطلب من ربه قبض روحه وهو في سجدة على الرغم من عدم صلاته.

21