حب على ورق

الأربعاء 2014/06/04

تدُسها بصمت بين أصابع لهفتي.. وأدسها بصمت بين أصابعِ المكتبة.. وأعد على أصابعِ الوقت دقيقة دقيقة.. حتى ينام الجميع وأخلو إليها : قصيدة!

جميلة لأنها أنت.. لذيذة لأنها انفلقت عن قلبك.. واخترقت الضلع.. وتسلقت الأوردة فتجمعت في رأسك غيما من صور يحاكي أصابعك.. وهطلت مطرا يرتسم لوحة كلمات على ورق.. وما إن افتحها لألقي عليها نظرتي الأولى حتى تتمثل بشرا من حروف.. أو صورة فوتوغرافية هلامية لمعالم وجه أليف بسوم دفيء صموت.. وقلب قلق هائج شغوف يقول ولا يقول.. فتفضحه حروفه!

أراوغ نفسي وأراوغ القصيدة وأراوغك.. فأدعي بأنها ليست لي.. وبأنك تحس وتحب وتكتب لأخرى لا تشبهني إلا بالحروف..

وأُراوغ نفسي وأُراوغ حروفي وأراوغ الآخرين.. فأدعي بأنني لا أحس ولا أتوق ولا أعشق.. وبأنني لم أفرح بذلك الكون الذي غدا بين أصابعي متلبسا شكل الشعر.. وأزعم أنني لن أرد عليك بمثلها.. فلن أستطيع! وأروح أقرأ وأقرأ.. تلفني الصور والأفكار فتطير بي لترفعني صوب أعلى سماء.. أدوخ وأسكر وأنا ألمح الكواكب تدور بي وتدور حولي في فضاء انعدمت فيه الجاذبية إلا منك.. وصار كل الجمال يسبح فيه معي إلى ما لانهاية!

تداهمني صفعة من نيزك عابر يحرقني فأجفل.. وأصحو!

وتبدأ قطرات التعقّل بالتسرب إلى حلمي مثل عرق بارد ينبئ بنوبة عشْقيّة خطرة!

تحاصرني سنوات الخيبة التي مضت وتُوغل في المجيء.. واستحضر كل الوجوه التي رحلت ولن يهل حنانها إلا في أقاصي التمني.. حبل الخساراتِ يكبّل تفكيري لأقرأ سيناريو الغياب قبل حلول الفرح.. وتستبد بي الدهشة فتهيب بي أن أكفّ لئلا تغيب عني مثل كل الغائبين..

أفلا تخاف جنيا اسمه الحب؟ لوثة القلب التي تستبدّ بأدمغتنا فتلهي حواسنا وننسى على أية أرض نحن وتحت أية سماء نعيش؟! ذلك الوحش الذي إذا ما حل استباح صداقاتنا.. حتى إذا ما انتهى لا يعود لنا من وجود؟

اخترع من تفاصيل الرعب أقصاها احتمالا.. لأوقظ خوفي عليك/علينا من تسلل ذلك المارد الجبار. واصطفي في البال كل الحصانات كي أوقد الوهج الأحمر.. وأرفع شعارات لا تشبه إلا “ممنوع الاقتراب”.. “ممنوع الاقتراف”.. “ممنوع حتى الهمس”.. وأنبش كل ما اندثر في الأعماق من ثلجِ الصدود وصمت المشاعر.

أرتبك.. تحاصرني حروفك مرة أخرى.. تخدّرني هنيهة تأمل.. ليصفعني الواقع صارخا بي: إلى أين المفر؟.. ولا مفر إلا من جلدي.. من هواجسي وخَبَلي وبركان احتدامي. أما أنت.. فلن يكون لي منك أي مفر!

يا سيدي.. أيها الصموت الدفء.. ما بيننا أكبر من الحب.. فرفقا به وبنا.. لا تحرقني.. فتحترق.. لا تطرق باب قلبي بريشة الحرف ولا تعزف على مفاتيحِ ضعفي.. أو لم تقرأ العبارات فوق جبيني؟ “سريعة الاشتعال”.. “سريعة الانفعال”.. “بطيئة النسيان”؟ .. جرحُ حبّ مزمنٌ.. وحزن مديد برسمِ الفرح؟

يا سيدي المرهف الهامس الحنون: إليك قصيدتك.. فهي ليست لي..

اخفها طيّ أصابعك أو طيّ كتبك.. أو فلتهدِها لأخرى لا تشبهني حتى بالحروف.

أما أنا فقد قمّطتـُها ووضعتها طي روحي وبين رعشة أهدابي.. ولن أنساها.. سأعيشُ على موسيقى اضطرامها ورهافتها.. وأستحلفك بروعتها أن تنساها أنت وتنساني معها..

فلا شيء لا شيء أوجعُ على قلبي من خوفي عليك.

21