حب غير مشروط

الأحد 2015/03/29

الحب يأتي بأشكال مختلفة ويحمل درجات مختلفة من الالتزام والوفاء تجاه الشخص الذي نحب، ومع ذلك الحب هو حب في نظر الجميع. لكن الواقع يقول أن الحب الحقيقي الذي لا يشبه أي حب آخر في الوجود هو حب الأم لمولودها، فبغض النظر عن جنسه أو لونه أو شكله فهي تحبه من دون شروط ولا توقعات.

فعندما يولد الطفل لا تكون هناك متطلبات أساسية ومسبقة حتى يتقبل الوالدين الطفل أو يحبانه، باستثناء ما كان يحدث في الجاهلية عندما يكتشف الأب أن جنس المولود أنثى وكان يتم وأدها، وحتى في ذلك الزمان لم تذكر أدلة تشير إلى أن الأم كانت توافق على وأد مولودتها وهي جزء منها.

فالأم مهما حدث لا تترك أطفالها وتمضي في حياتها وكـأنها لم تلدهم، لأن المشاعر التي بينها وبين طفلها ليست فقط مشاعر وجدانية، إنما هي وجدانية بيولوجية وروحانية. هناك حالات استثنائية تحكمها قوانين البشر والذكر تحرم فيها الأم من أولادها لأسباب أو أخرى، حيث تضطر للمضي في حياتها، لكن قلبها يبقى معلقا بأطفالها مهما مر عليها من زمن.

والحقيقة أن الحب الحقيقي والمطلق هو حب الأم لطفلها لأنه حب غير مشروط، فالحب المشروط يمنح بغض النظر عن أي متغيرات أو خصائص يمتلكها الطفل، هذا الحب لا تكون فيه قيود ولا يتغير مع الزمن. أحيانا كثيرة يخطأ الوالدين في التعبير عن الحب لأبنائهم وبذلك يغيرون تلك الفطرة إلى حب مشروط، فعلى سبيل المثال عندما يكبر الطفل ويدخل المرحلة الدراسية يتحول الحب عند الكثيرين إلى متطلبات وتوقعات، وإذا حصل الطفل على درجات سيئة لا تعجب الوالدين يصيبهما إحباط ويتغير سلوكهما تجاهه.

الحقيقة أن الحب حقيقي وموجود، لكن ما يصل إلى الطفل أن والديه لا يحبانه لأنه لم يقابل توقعهما في الدراسة وهو الحصول على درجة عالية.

الحب غير المشروط أيضا يكون بين أفراد الأسرة الواحدة، لكنه يبقى أقل قوة من حب الأم لأطفالها، فالأخوة مثلا يحبون بعضهم البعض من دون شروط لأن ليس بوسعهم عمل أي شيء حيال ذلك حتى وإن اختلفوا فهم لا يستطيعون التخلي عن بعض ولا أن يتبرأون من بعض إلا في حالات الصراع والخلافات المادية التي تجعل من بعض الأخوة أصحاب قلوب سوداء لا يحبون أنفسهم ولا يحبون بعضهم البعض.

الحب غير المشروط هو الشعور بالحب تجاه الآخر من دون تدخل الإرادة لتغييره. فالذي يحب من غير شروط لا ينظر إلى سلوك من يحب ويحاسبه ويعاقبه لأنه لم يقابل توقعاته، إنما هو حب الشخص لذاته وهو حب نادر وهو عواطف ووجدان تجاه الآخر من دون حدود. وعادة ما يرتبط الحب غير المشروط بالإيثار والتضحية، وهو أيضا ما يعرف بالحب الكامل للطرف الآخر كما هو حب الأم لأبنائها.

هناك من يصف الحب بين اثنين في علاقة قوية بالحب غير المشروط وهو كذلك، لكن ليس كما هو الحب غير المشروط بين الأم وطفلها. عندما يلتقي أي اثنين ببعض وفي بداية العلاقة يكون هناك حب جامح من الطرفين يقبلان بعضهما البعض من دون شروط وما أن يتم الارتباط الرسمي حتى يتحول ذلك الحب إلى حب مشروط وتوقعات مثل الإخلاص والاحترام والتعامل بلطف والعلاقة الحميمية، لكن هي نفسها هذه الشروط عندما يتم الإلحاح عليها من قبل أحد الطرفين أو كلاهما يتسبب في الشعور بثقل الحمل ويشعر الشخص أن هذه الشروط منهكة فيتغير أحد الطرفين في مشاعره ويتبعه تغير في مشاعر الطرف الآخر مما يتسبب في الإهمال ومن ثم البحث عن مصدر آخر للحب والاهتمام.

لذلك يصر بعض الباحثين في هذا المجال على أن الحب الرومانسي لا يمكن اعتباره حب غير مشروط حتى وإن بدا كذلك لأنه يتغير ويتحول مع الزمن بسبب التوقعات بين الطرفين، بينما حب الأم لطفلها لا يتغير مع الزمن.

العلاقة الزوجية هي علاقة مقدسة بالدرجة الأولى يكون فيها الزوجان سند ودعم لبعض في السراء والضراء وأن يكونا بجانب بعضهما عندما يحتاج أحدهما الآخر، لكن مع الحب المشروط هذا أيضا لا يتحقق وتصبح العلاقة هي شراكة مصالح متبادلة بين الطرفين إذا تم التقصير من طرف قام الطرف الآخر بردة فعل لا تتناسب والحب الرومانسي الذي جمعهما في البداية.

قام أحد الباحثين في علم الأعصاب بدراسة تجريبية لمجموعة من الأشخاص لدراسة ما يحدث في الدماغ عندما يتم عرض صور للعينة تحت التجربة، صور تتضمن حب الأم لمولودها وأطفالها وصور عن الحب الرومانسي بين الرجل والمرأة.

في هذه التجربة وجد الباحث أن هناك سبع مناطق في المخ تكون ناشطة عندما تم عرض صور للأم مع أطفالها، ثلاث مناطق منها في المخ كانت نفسها التي نشطت خلال عرض الصور الرومانسية، بينما المناطق الأربع الأخرى كانت تتعلق بالجانب المادي والثواب واللذة ما يشير إلى وجود جانب كبير من الحب المشروط في العلاقات الرومانسية.

وهو أيضا يعني أن شعور الحب تجاه شخص آخر من غير توقع مقابل مثل حب الأم يختلف عن شعور الحب الرومانسي بسبب تلك المناطق التي بها التوقعات مقابل الحب، حيث تكون هذه الشروط والتوقعات شعورية وأحيانا لا شعورية بين الطرفين.

إذن هل نستطيع أن نحب بعضنا البعض من غير شروط؟ سؤال يجد الكثير من الناس صعوبة حتى في التفكير فيه لأن هناك الكثير ممن لا يعرف حتى كيف يحب ذاته من غير شروط.

استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

21