"حب في الحصار" القهر يقف خجولا أمام الغرام

لا تزال الكاميرا السينمائية تصرّ على أن تكون سفيرة للسوريين في عالم الفن؛ تنقل بالصوت والصورة مقتطفات من حياتهم اليومية، توثّق معاناتهم الحاضرة وتهتم بواقع عيشهم المرير، ومن ذلك جاء الفيلم الوثائقي القصير “حب في الحصار” من إخراج ومونتاج مطر إسماعيل وتصوير محمد أبوكاسم، ليروي في دقائق معدودة بعضا ممّا يعيشه الكثير من السوريين اليوم.
الثلاثاء 2016/01/19
الحب بديلا للعيش الحياتي

يحكي الفيلم الوثائقي القصير “حب في الحصار” وهو من إخراج ومونتاج مطر إسماعيل وتصوير محمد أبوكاسم ومن إنتاج مؤسسة “بدايات” حكاية أسرة سورية موجودة في جنوب دمشق المحاصر، ويحاول أن يسلّط الضوء على الجانب اليومي المعيش لأفرادها، حيث وقفت الكاميرا فيه كالمراقب الخارجي تسترق السمع والنظر، فكانت الحصيلة مجموعة من المشاهد التي توضّح كيف يستطيع هؤلاء الاستمرار وسط كل هذه الظروف الصعبة واللاإنسانية.

وفي الفيلم وكما هو الواقع ربما، لا يمكن للجوع المتسلل خلف الحصار أن يقضي على روح الإنسان السوري، فدائما هناك حلول، ودائما توجد البدائل والابتكارات، المهم فقط أن تظلّ الكرامة حاضرة وصادقة.

آثار الحرب واضحة في جميع المشاهد، على الرغم من أن الكاميرا لم ترصد أصوات القصف أو مناظر الدم، ولم تهتمّ بتقديم صور عن ضحايا القصف أو التعذيب وغير ذلك من الانتهاكات العنيفة.

فقط راحت الكاميرا لتحيا مع أفراد تلك الأسرة حياتهم البسيطة من الصباح إلى المساء، مؤكدة وبكل صدق على أن الحب لا تستطيع القوى العظمى خنقه، ومهما حاولت القرارات والاجتياحات العسكرية أن تقتنصه لن تفلح في ذلك أبدا، فذراته موزّعة في قلوب الموجودين في الصورة، حتى في أسوأ الظروف وأكثرها قسوة وتعبا.

الحياة بمفهومها الفلسفي والحيوي والاجتماعي والعاطفي، نجدها تستحـوذ على لقطات الفيلم وتحتل وجـوه الشخصيـات وتعبث بتصرفاتها. ما جعل القهـر يقـف خجولا بنفسه أمام هـذه الرغبـة العظيمـة في الحب وفي الاستمرار وسـط أحداث يومية تفتقر إلى أبسط أدوات الحياة الطبيعية في القرن الحادي والعشرين.

ولعل الماء وهو العنصر الدال على روح الإنسان والطبيعة ومنطق الحياة، يعبّر بدلالته السيميائية في الفيلم على جوهر الواقع الراهن لدى هؤلاء المحاصرين في جنوب دمشق المحاصر، إذ استطاعت هذه العائلة السورية أن تتأقلم مع شحّ المياه وقلة مواردها، بما يقضي لها حاجياتها الضرورية والمحدودة ليس إلاّ.

صوت فيروز يصدح منذ البداية، وهي دلالة أخرى على الحب والحياة، كذلك جاءت بقية الأصوات توثيقية وطبيعية منحت الصورة المتحركة جمالية عالية، خاصة صوت قطرات الماء المتساقطة من رأس الصبي الصغير والممزوجة بضحكاته وهمساته. بينما حمل صوت الراديو المنبعث أغاني وأناشيد من الزمن الجميل، للتأكيد على الروحانية التي تغمر كل من في الصورة.

لا يروي “حب في الحصار” ما تعيشه عائلة واحدة فقط، فهذه العائلة تشبه الآلاف غيرهـا مـن تلـك الأسر القابعـة في أمـاكن فرض عليها أن ترقد فيها محاصرة، وممنوعة من تلك التفاصيل وما يحتاجه الإنسان الطبيعي ليستمر ويمشي باتجاه الغد، لكنه يطرح الحب بديلا للعيش الحياتي، ويؤكّد أنـه إن وجـد سيحمي قلـوب حامليه وذويـهم أيضا.

16