حب في درس الكيمياء

الاثنين 2014/06/09

أحببتك دون علم معارفي

أحببتك بيني وبين نفسي

فإن أحببتني فلا تجازفي

وبادليني في السر حبي

كلمات شعرية رقيقة مقفاة، كتبها طالب الثانوي لزميلته في درس الكيمياء العضوية، وظل ممسكا بالورقة باستماتة غريبة كشفت ما كان يحاول إخفاءه.

وبدأ الدرس، وما إن انخرطت المعلمة في الشرح حتى تلاقت العيون، تتراسل بالشوق الطازج من القلوب الغضة، وتلتقط خيوط الغرام المنسوج باكرا قبل الأوان، وانتهى الدرس ولم يفهم الزميلان شيئا، فكل ما جنياه هي رسائل الحب المتبادل، ولكن وعي المعلمة وحس الأمومة لديها كانا أكبر من الحب النابت في القلوب الصغيرة، فأدركت بأن الطفلين بحاجة لحوار واع ومتعقل.

وكشف الحوار أن ما بين الفتى والفتاة أكبر من علاقة حب بريئة. ولغة عيون، كما أنها ليست طهارة وبراءة تشتهي لمس الأيادي. بل ورقة من دفتر الدرس وإمضاءات مرتعشة لزميلين بنفس الصف الدراسي أحلت الفتاة لزميلها باسم الزواج العرفي.

وادخرت المعلمة صرخاتها لأم الفتى والفتاة، وأحضرتهما معا لعلهما تملكان من الحكمة والأمومة ما يخفف احتقان الموقف الملتهب، وللأسف صوبت كل واحدة منهما فوهة سلاحها الناري للأخرى، وتبادلتا اتهامات فظيعة، وألقت كل واحدة بالمسؤولية على الأخرى.

قالت أم الفتى، ابني محترم “ربيته أفضل تربية”، أكيد ابنتك هي من غوته. وقالت أم الفتاة، “ابنتي أخلاقها مضرب الأمثال، “ابنك نصب لها شركا”. وما بين ابني محترم، وابنتي مضرب الأمثال ضاع الأولاد.

الجحيم هم الآخرون، مقولة مثلتها المرأتان على أرض الواقع، فأم الفتاة ترى أن الفتى قليل التربية، عديم الخلق والضمير وهو السبب، وأن ابنتها ضحية بريئة غرر بها الوحش المتنكر في صورة إنسان، وأم الفتى تؤكد على أن أخلاق ابنها نموذج يدرس بالجامعات ولولا الفتاة اللعوب ما كان ليفعل ما فعله وأنها رمز الغواية والانفلات الأخلاقي. وترى المعلمة أن المشكلة تكمن في الآباء وتحمّل المرأتين ما وصل إليه الصغيران، لأن التربية عندهما هي توفير سبل الحياة الرغدة لأولادهما كإلحاقهما بالمدارس الخاصة، وشراء أفضل الماركات العالمية من ملابس وأحذية.

ومصروف اليد مؤشر بر الأبوين للأبناء، عصافير وأسماك زينة كل ما يحتاجونه هو وضع الطعام وتغيير ماء الحوض، أما الحب والحوار المنطقي والحديث الأسري الدافئ، فموضة قديمة أحالتها الحياة الحديثة إلى المعاش المبكر. فدائما أبناؤنا ملائكة والشيطان هو الآخر، كلما تحدثت أم عن أبنائها تتغزل بمحاسن أخلاقهم، وتسوقهم على أنهم ملائكة لا ينقصهم سوى الأجنحة، وحين تقص مشاكلهم تنقلب دفة الحديث “بقدرة قادر” لاتهام الآخرين بأنهم السبب وراء تلك المشاكل.

إننا من الضعف والجهل حتى لا نعترف بأننا لم نحسن تربية أبنائنا، وأن أصابع الاتهام التي نوجهها للآخر يجب أن نصوبها لعجزنا عن المواجهة.

21