حب قاتل

الحب شعور عميق يقاوم الشكليات المتأنقة أمام الآخرين لتوجيه رسالة ضمنية بأن الحياة هادئة ومستقرة وأن كل شيء يسير على أكمل وجه وعلى خير ما يرام.
الاثنين 2019/07/01
للصداقة حدود لا يجب تجاوزها

استمرار الحياة الزوجية وطول مدتها لا يعنيان مطلقا أن هناك علاقة حب واحترام متبادلة بين الزوجين، وكذلك الإنجاب ليس دليلا على الود والتفاهم، حتى زيارات كلا الزوجين لأسرة الآخر وعائلته لا ترفع لافتة الترابط الأسري، قد تكون شواهد ودلائل معاملة طيبة أو خوف على مستقبل الأبناء، لكنها ليست برهانا على الحب والمشاعر.

الحب شعور أعمق من هذا بكثير، شعور يقاوم الشكليات المتأنقة أمام الآخرين لتوجيه رسالة ضمنية بأن الحياة هادئة ومستقرة، وأن كل شيء يسير على أكمل وجه وعلى خير ما يرام. لزميلة عمل حياة زوجية مستقرة ظاهريا وأبناء يدللون على استقرارها، سنوات طويلة تسير الحياة في مجرى محدد دون تغييرات جذرية، فقط بعض قفزات مالية حققتها الأسرة، وقفزة عالية حققها الزوج في مجال عمله، بما يفرض عليه عدة التزامات قاسية أهمها ما يتعلق بالوقت، فبات يقضي معظم اليوم في عمله، ويستمتع بعطلته الأسبوعية بين أصدقائه ليخفف من ضغوطات العمل ويحرر عقله المنهك من توتراته.

الزوجة لا تتأفف من تأخره في العمل طالما يحقق طموحاته وأحلامه، ارتضت منذ سنوات بتقسيم الأدوار: هو يهتم بأمر ثلاثة أعمال توفر لأسرتهما حياة كريمة، وهي تهتم بالصغار وتعتني بالأسرة إلى جانب عملها البسيط لبعض الوقت، كلاهما تصالح مع الظروف ومع الآخر.

لكن يبدو أن هذا الروتين الذي ارتضاه الزوجان معا غير مجبرين عليه، لم يرض بعض أصدقاء لهما، ففي ظهيرة يوم صيفي قائظ صديقة زوجته المقربة رأته يوم عطلته يدلف إلى بناية حديثة رفقة شابة تصغر صديقتها “الزوجة” بعدة سنوات، ذات قوام جذاب وشعر مصبوغ وملامح فاتنة، زادتها الملابس المثيرة فتنة وغنجا ودلالا.

لم تمر الحادثة على الصديقة مرور الكرام، فقد نصبت من نفسها وصية على الأسرة، تتدخل في كافة تفاصيل الحياة اليومية، حتى مدارس الصغار لها فيها رأي، تدلو بدلوها في كافة الأحداث.

وبالطبع هذا الحدث الأعظم الذي رأته كارثيا لم تنفض يديها منه. بهدوء، دون أن ينتبه لها الزوج تتبعت خطواته وعرفت بالسؤال الملح لحارس العقار، أن الرجل يقيم مع زوجته الشابة في الطابق الثالث بالعقار، لم تترك تلك المعلومة الثمينة تضيع منها هباء.

ولكنها لم تخبر الزوجة بالأمر مباشرة، نشرت على جميع مواقع التواصل الاجتماعي، وكافة المجموعات الإلكترونية المشتركة بها، قصة الرجل مع هذه الفتاة، وذكرت تفاصيل دقيقة تنطبق على حياة صديقتها تماما، حتى أن كثيرين من المقربين للأسرة “خمنوا”، واستكملت العقول المتلصصة ما غاب عنها من أحداث.

كانت الصديقة تتساءل: هل تخبر صديقتها بالأمر أم تخفي عنها ما حدث لتجنب حدوث المشكلات بينهما، وحفاظا على البيت والأسرة كما تتدعي.

المؤكد أن المشكلات وقعت بالفعل، لكن هذه القصة تفتح باب الجدل في عدة أمور، أهمها: ما هي حدود العلاقة بين الصديقة وصديقتها؟

قد تكون الزوجة على علم مسبق بخيانة زوجها لكنها تسير مركب الحياة بهدوء حتى لا تتضرر حياتها بصورة تقلب دفة الأمور، أو حفاظا على الكيان والهيكل الأسري، وقد يفتح هذا الاعتراف جروحا تأبى أن تندمل.

وقد تختلق الزوجة مشكلة وتفتعل رد فعل عنيف إرضاء للصديقة وإثباتا لحسن التصرف الواعي في مثل هذه المواقف لإعادة تجميل الصورة، وتحسين وجه أسرتها. وربما أحرجها تصرف صديقتها للغاية ووضعها موضعا لا يحتمل.

 هذا النوع من الوصاية على من نحب أو على الأصدقاء بظني يندرج تحت نوعية الحب القاتل، فهو يؤذي المحيطين أكثر مما ينفعهم كالدبة التي قتلت صاحبها حبا.

ما قامت به من تظن نفسها صديقة هو فضيحة إلكترونية، بكل المقاييس، نشرت القصة على مواقع التواصل الاجتماعي لاستشارة البعض في الحل المناسب وهي لا تعلم حجم الجريمة التي اقترفتها في حق صاحبتها.

قد تضعها تلك النصيحة المباغتة في موقف الخيار بين أمرين أحلاهما مر، من الممكن أن تكون على علم مسبق بالأمر، لكنها تجيد تمثيل دور المتفرج من بعيد، لكنها بعد أن وضعتها الصديقة موضع العلم اليقين، فلا بد لها من الاعتراف والمواجهة ثأرا لكرامتها أمام من حولها وحفاظا على صورتها في أعينهم.

 وربما يفتح هذا الاعتراف جروحا موجودة بالفعل ويتغافل عنها الطرفان، أو يجدد آلاما عن نار أراداها خامدة تحت الرماد.

لا أحبذ دس الأنف في حياة الآخرين بدافع الحب والخوف عليهم، وكان من الأجدى أن تترك الأمر دون تدخل، فكم من النزوات العابرة طواها القدر وغفرها الزمان دون أن يعلم عنها شيئا.

أصبحنا في عالم هش، يسهل فيه التربص بالآخرين، وانتهاك خصوصياتهم. كم من الخذلان صنعته أيدينا ونحن في وعينا الكامل، نبكي لنحافظ على ضعفاء لا يملكون رفاهية التمرد ولا يجيدون أنين الشكوى.

21