"حب مجنون" رومانسية جارفة تنتهي بقتل وانتحار

الجمعة 2015/02/20
توثيق الأيام الأخيرة للكاتب الألماني هاينريش فون كلايست

عالم من الألوان الحية والمريحة وديكورات متسمة بالهدوء، تنقلنا إليه المخرجة النمساوية جيسيكا هاوسنر عبر فيلمها “حب مجنون“، الذي شارك في مهرجان كان 2014، ومهرجانات عالمية أخرى، وشرع في عرضه ببعض دور السينما في فبراير 2015.

مع الفنانة بيرته شخنوينك في دور هانرييت الزوجة الرقيقة المسالمة، وكريستيان فريدل مؤديا دور الكاتب والشاعر الألماني هاينريش فون كلايست، الذي استلهم العمل من قصة حياته، يعود مشاهد فيلم “حب مجنون” إلى برلين (1810-1811) ليعايش أجواء أرستقراطية ألمانية، تشتكي من حين لآخر من امتداد الأثر الفرنسي وتهديده لاستقرار طبقي تعوّدت عليه فئة تنعم بامتيازات خاصة.

هانرييت فوخل الزوجة والأم المتزنة، تتعرف على هاينريش فون كلايست الشاعر، الذي فشل في إقناع ماري التي يحبها بأن تنتحر معه؛ في البداية من خلال قصيدة له، وبعد ذلك من خلال حوارات في مجالس ولقاءات، فتغوص أكثر فيما تشعر به، وإن لم تبد تحوّلات كبيرة في سلوكياتها.

يواجه الشاعر المرأة التي تعبّر في أولى حواراتها معه عن رضاها، لكونها ملكا لزوجها، بحقيقة نظرته لنفسه وللحياة ورغبته في الموت، ويحاول إقناعها كذلك بغياب الحب في حياتها أيضا.

هايرينش يرى نفسه حسّاسا بروح جريحة، وبعد أن تمرض هانرييت وتتوجس خيفة بخصوص مرضها، لا يزعجه أن يقول لها أنه أيضا مريض داخليا، وأن علته لا ترى.

الشاعر لا يتخلى عن فكرته وصديقته ماري التي رفضت اقتراح الانتحار برفقته أكثر من مرة تقبل على الزواج من فرنسي، متشبثة بالحياة، بينما تراجع هانرييت نظرتها للأمر وتبدي استعدادا لمشاركته رحلة الذهاب إلى الموت.

إظهار التحكم في العاطفة ولجمها لصالح البروتوكول الاجتماعي والحدود المرسومة بين الأفراد

الطبيب أعلمها بعد استشارات لزملاء له بأن حالتها ميؤوس منها، ونفى شكوكه بأنّ آلامها الجسدية قد تكون ناجمة عن معاناة نفسية، وزوجها وابنتها ووالدتها شاركوها تلقي الخبر.

في مشاهد كثيرة من الفيلم يظهر التحكم في العاطفة ولجمها لصالح البروتوكول الاجتماعي والحدود المرسومة بين الأفراد، حتى وإن اشتدّت القرابة بينهم. المسافة بين هانرييت وزوجها، أو بينها ووالدتها، أو بينها وابنتها تتساوى في كونها تحافظ على بعد يجعلها لا تذوب وتعرّي الضعف والرهف.

هناك احترام مستميت في حفظ صور نمطية، لا تسقط أمام المستجدات مهما كانت مخيفة أو مقلقة. الزوج فوخل الذي يقترح على زوجته المريضة أن تقصد معه باريس لاحقا، من أجل العلاج لا يزعجه أن تخرج للنزهة مع الشاعر.

في الغابة الباردة تتحقق الأمنية، لا تكاد هانرييت تستدير حتى تخرسها رصاصة ويفي الشاعر بوعده لنفسه، فيكون الميت بعدها. تتردد في الفيلم أغنيتان على إيقاع البيانو: الأولى عن بنفسجة تشاهد راعية جميلة فتتمنى لو كانت أجمل الأزهار، فتقطفها الفتاة وتضمها فتكون قريبة إلى صدرها، لكن الفتاة ماشية لا تنتبه لها، فتدوسها ومع ذلك تفنى سعيدة بأن لامستها قدم الجميلة.

والثانية عن الرغبة في الذهاب إلى مكان مريح خارج عن الاضطراب والقلق، وضعهما في الفيلم، كباقات الأزهار وأشياء أخرى ذات دلالات شاركت في إثراء المشاهد، جاءت معزّزة لرهانات المخرجة التي تجاوزت إثارة الدهشة عن طريق فتنة الزي والرومانسيات التاريخية، إلى عمق الصراع الداخلي وأثر المسافة والقدرة على الاحتواء بين الأشخاص.

عندما يجيب هاينريش فون كلايست زوج هانرييت، السائل عن محتوى الحقيبة، بأنّه يحمل أدوات لصيد الفراشات، ويستغرب هذا الأخير قائلا ”فراشات في نوفمبر!”. ألا يعرف هذا الأخير أن روح زوجته ستكون فراشة نوفمبر التي أرادها الشاعر أن تتعرف على عذابه الروحي وتشاركه الرحلة.

نهاية “حب مجنون” بالمعلومة الجديدة التي سيكشفها الطبيب في المشاهد الأخيرة، تؤكد حقيقة الرهف الإنساني الذي وإن سترته الأناقة واللباقة والسلوك المهذب لا تستطيع إلغاءه. تمّ تصوير ”حب مجنون” في لوكسمبورغ وألمانيا والنمسا، لكن العنوان جاء فرنسيا “أمور فو” أي حب مجنون.

16