حب من الماضي

الاثنين 2016/12/19

عكس كل هدايا عيد الميلاد المغلفة بغلاف ذهبي منمق وورق سلوفان ملون وشرائط من حرير أحمر ووردي ورائحة عطر فاخر تفوح من ثنايا الهدية وتعلن عن مدى رقتها ورومانسيتها كانت هدية كوثر يونس الفتاة الجميلة والطالبة بمعهد السينما لوالدها وصديقها في أن واحد الدكتور مختار يونس الأستاذ بالمعهد العالي للسينما.

الهدية عبارة عن تذكرتي سفر إلى إيطاليا وتحديدا إلى روما حيث ودع الأب حبا قديما لفتاة إيطالية “باتريتسيا” منذ سنوات طويلة، عاد إلى مصر وكان لابد له أن يتزوج فتزوج وأنجب، ترقى في مجال عمله، مارس فعل الحياة بكل ما فيه متورطا في الحياة أو راغبا فيها، وكانت في قلبه غرفة مظلمة ذات أقفال مكتوب عليها ممنوع الاقتراب أو التلصص، غرفة سكنها حبه القديم وخطابات تفوح منها رائحة حب مازال طازجا رغم السنين وخاتم من الذهب وبعض كلمات الحب والغرام.

أصرت الفتاة على أن تكون هديتها لأبيها بمذاق مختلف وبريق لامع، ألق يفوق الهدايا التقليدية مثل ربطة عنق تحويها خزانة في صمت، لامست عشق الرجل القديم وقدمت له “هدية من الماضي”، فيلم تسجيلي يصف مشاعر إنسانية رقيقة وراقية وحبا يفوق الخيال لم تغيره السنون، فرحة الرجل حين علم بإمكانية سفره لمعانقة حلم قديم وذكرى حب قادم من سنوات غياب ورحيل وحل وترحال، عالم من فقد ورماد أحال معظم الأشياء إلى لون محايد يقع في مسافة ضبابية بين الأبيض والأسود، مشاعر طفل في عامه الخامس والسبعين مازال يحلم بحب الشباب، دون أن يدري بأن ابنته سجلت كل لحظة، حتى حين علم بذلك لم يعترض، وثقت لمشاعره الدفينة في فيلمها التسجيلي الذي أعدته لمشروع تخرجها الجامعي.

الفيلم في نظري يعد لوحة فريدة وحالة إنسانية راقية، يفتقر إلى تقنيات واستخدام أمثل لتكنولوجيا حديثة ومتطورة ولكنه يحمل طزاجة المشاعر الصادقة النابعة من القلب المفعم بالحب القديم وسنوات بكر، فيلم أقرب إلى حكي بين أب وابنته عن علاقة ما في زمن بعيد، جدارية رائعة اتسمت بالحكي الحر والمتحرر من كافة قيود المعرفة المسبقة بأن الكاميرا ترافق كافة تحركاتهما معا لرحلة البحث عن الحب التائه في أعماق الزمن.

استغلت فيه الابنة المولعة بمشاعر أبيها كاميرا صغيرة غير مرئية وكاميرا اللاب توب، وحتى نظارتها الشخصية كانت إحدى تلك الكاميرات المشاركة في رصد المشاعر قبل التحركات، 350 ساعة تصوير منذ اللحظة الأولى لمناولة أبيها التذكرتين وبحثه عن الخطابات القديمة وعنوان الحبيبة الإيطالية، ثم رحلة السفر والبحث ولحظة الوصول إلى دار الأحباب، ليكتشف الرجل أنها تركت المنزل القديم منذ سنوات والخوف من ضياع الحلم بعد الاقتراب منه والتحليق في السماء، ثم بحث آخر عن العنوان الجديد، فقد ولقاء، حب وحنين، قمة التضارب في المشاعر والتأرجح بين اليأس والرجاء، الحب الاشتهاء، الشيء ونقيضه دائما نجم الأحداث.

شاركت الصدفة الواقع في البطولة، وفي نهاية الرحلة عثر على حبه وحبيبته ليعود شابا يافعا رغم عامه الخامس والسبعين، تعافى من أمراض تكاثرت وتداعت عليه كما تتداعى الأكلة على قصعتها، كانت الحبيبة رغم الشوق عقلانية حيث قالت “سنظل نحب بعضنا البعض في العالم الأخر”.

والطريف هو موقف الزوجة وعشرة العمر الجميل وشريكة الذكريات وأم الأبناء التي رضخت لرغبة في التخلص من شعور دفين، ورجل مدين باعتذار مؤجل منذ ثلاثة وثلاثين عاما.

كاتبة من مصر

21