حب من طرف واحد

السبت 2016/08/06

أشعر بالغيرة، كلما اطلعت على نتائج استطلاع للرأي العام تكشف أرقامه عن مدى حب البريطانيين لأفراد العائلة المالكة، ابتداء بالملكة الأم وانتهاء بالصغيرة شارلوت أحدث أميرات العائلة، فبعد كل هذه العقود الطويلة مازال الناس مغرمين بملكتهم الموغلة في القدم، وهم يشعرون بالرضا والأمان لمجرد وجودهم تحت خيمتها مع إصرارها رغم تقدمها في السن، على مواصلة عملها ومسؤولياتها. بعض الشعوب، تنظم قصائد شعر في شخوص ملوكها وملكاتها، رؤسائها ورئيساتها، في صورة مشاعر حب وامتنان تضع المصلحة الشخصية في الصدارة؛ فالحب لديهم مشروط بدوام حبل الود بين الحاكم ورعيته، وكلما سهر راعي الدار على راحة أبنائه، كلما ارتفع منسوب الحب والاحترام في نفوس أهل الدار.

الشعور بالولاء والانتماء، مفصل عاطفي مهم في حياة الشعوب فهو مرادف للأمان والعيش الكريم ووعد مبطن بتحقيق الأماني والرفاهية، وهذا هو سر الهالة التي تحيط بشخص (الزعيم) أو الملك وتجعله كيانا مقدسا، الزعيم الذي يبدو في صورة أب حينا وابن أو صديق في أحيان أخرى.

يتفشى هذا النوع من العلاقات الندية بين الحاكم وشعبه في العديد من دول وممالك الغرب، هذه العلاقات التي نفتقدها في منطقتنا العربية ونقضي أعمارنا في مطاردة خيوطها، مثل عاشق سيء الحظ يطارد وجه حبيبته في حلم رمادي من دون جدوى؛ علاقة حب من طرف واحد حُكم على الطرف المبتلى فيها، بالحزن السرمدي مع شعور مقيت بالهزيمة يصفعه كقطعة معدنية باردة.

وهكذا، فإن جميع الرؤساء الذين مروا على فواجعنا في العقود الأخيرة، أضافوا خيبات إلى خيباتنا وحتى من كنا نظنه موسى في أول الأمر، لم يكن حتى فرعون بل مجرد ساعي بريد في معبد الكهنة الأشرار!

لكن، تبقى للماضي القريب نكهة خاصة، نكهة تزداد مرارتها كلما حاولنا نسيانها.

في مدينة البصرة جنوب العراق، منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كانت لصديقتي جدة جميلة ساحرة لم أر في حياتي ابتسامة مثل ابتسامتها، التي كانت تتسع وتختلط بالدموع، كلما عرض التلفزيون فيلما هنديا، تشابكت فيه مصائر أبطال حرموا من النهايات السعيدة. لكن هذه الجدة الجميلة، كانت تعشق جهاز التلفزيون لسبب آخر، حيث كانت تتابع باهتمام واضح الزيارات التي كان يقوم بها (زعيم) الدولة لبيوت المواطنين البسطاء، فأحبت الطريقة التي كان يمازح بها العجائز والصغار وعشقت إصراره الغريب على الاطمئنان على محتويات ثلاجاتهم، ومشاركتهم مائدة طعامهم البسيطة، وكانت ابتسامتها تكبر كلما قبّلت النساء الطيبات يده وتحلق الأطفال حوله مثل فراشات مذهولة أمام شعلة من نار.

بهرتها شخصية (الرئيس) وأحبته حبا جما فكانت تناديه بـ(وليدي) وصارت تظهر غضبها كلما حاول أحدهم التعرض بالسباب لشخص (وليدها) أو نعته بسوء أمامها. في يوم من الأيام، كفت العجوز عن مواصلة ابتساماتها بعد أن اختفى ابنها الوحيد من أروقة جامعة البصرة، التي كان يعمل فيها معيدا، حين لمحه زملاؤه وهو بصحبة رجال الأمن الذين كان يستدل عليهم من خلال سحناتهم المنفرة وشواربهم السميكة.
اختفى الابن المحبوب لسنوات، لكنها واصلت الإمساك بخيط شفيف من الأمل لثقتها بـأن (وليدها) الزعيم لن يخذلها وبأنه يبادلها مشاعر الود والاحترام ذاتها، حتى جاء اليوم الذي وصل فيه جثمان ابنها إلى عتبة الدار بعد أن نفذ فيه حكم الإعدام لتورطه في تهمة مبهمة الملامح. لم تقرب العجوز جهاز التلفزيون منذ ذلك اليوم حتى وفاتها، وكانت كلما لمحت صورة الرئيس في أحد الشوارع، أهدته نظرة عتاب مرّة وهي تخاطبه: “ليش وليدي.. قتلت ابني الوحيد!”.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21