حب وحليب يمتزجان في ترويقة الجبن العائلية

اللمة العائلية التي يكون فيها الجبن سلطان طاولة الطعام، تتيح الفرصة لأفراد الأسرة لدعم بعضهم البعض ولتجاوز المزاج السيء في حياة يتخللها الكدح اليومي.
الثلاثاء 2017/07/25
أن تنهي عشاءك بلا تناول الجبنة كأن تلتقي فتاة جميلة بعين واحدة

طغت على إعلان مشهور لإحدى ماركات الجبن الإيطالية فكرة أن الجبن يوحد الأسرة والأصدقاء حتى وإن كانوا في أقصى درجات الانشغال والخلاف، ويمكن أن يجمعهم في لحظات من الحب العابرة، مما قد يعطيهم شحنات معنوية ويوطّد علاقاتهم الاجتماعية.

وصوّر الإعلان حيا شعبيا متلاصق البيوت أمام ميدان صغير استغله الجيران في لعب كرة القدم، وعندما اختلف الفريقان بدأ الصراخ، فما كان من امرأة حكيمة إلا أن وضعت مائدة صغيرة بينهما وعليها مجموعة من قطع الجبن بهدف إنهاء الشجار، فترك اللاعبون الخلاف وتمتعوا بنكهة الجبن.

ويمثل مثل هذا الإعلان التلفزيوني صورة دلالية عن دور الجبن كطعام بسيط، إلا أنه بإمكانه أن يجمع الأسرة على موائد الصباح أو في الأمسيات الهادئة.

ومع وجود أنواع مختلفة من الجبن وبأسعار مختلفة، يبقى الجبن الطعام الأسري الدائم في الصباح والمتربع على عرش المائدة على مدار اليوم، وبمقدور الأغنياء والفقراء تناوله، بسبب تعدد أنواعه وحسب إمكانية المشتري المادية.

26 كيلوغراما ما يستهلكه المواطن الفرنسي من الأجبان سنويا

ولا يبدو أن ثمة خاسرين فعليين من اللمة العائلية الخاصة بالجبن، حتى وإن كان البعض بين أفراد الأسرة الواحدة لا يحبونه، فهم في النهاية سيحصلون على فائدة أخرى أعظم من الفائدة الغذائية المستمدة من قطعة الجبن، فالالتقاء مع أفراد الأسرة على طاولة واحدة يتيح لهم الفرصة لدعم بعضهم البعض، ولتبادل القصص وتجاوز المزاج السيء في حياة يتخللها الكدح اليومي.

ومثّل الجبن على مر العصور مصدرا مهما للإنسان من حيث قيمته الغذائية، وكذلك دوره الاجتماعي، لكنه جمع أيضا خبرات عديدة ومتبادلة وذكريات وثقافات متنوعة في عملية تحضيره. وكتب الكثير من الخبراء عن الفوائد الصحية المفترضة لتناول البكتيريا الحية التي تسمى علميا "بروبايوتك "الموجودة في الجبن الذي من اليسير إعداده في المنزل.

وكلمة "بروبايوتك" تعني حرفيا "من أجل الحياة"، وهذا دليل على أهمية الجبن لصحة الإنسان ولجهازه الهضمي بشكل خاص إذا ما تم تناوله باعتدال. ويحتوي الجبن أيضا على كميات هامة من معدن الكالسيوم المفيد للعضلات وللعظام والمنظم للهرمونات والإنزيمات في الجسم، بالإضافة إلى أنه يساعد على تهدئة الأعصاب ويكبح التوتر.

ويشكّل الجبن اليوم صناعة تبلغ قيمتها المليارات من الدولارات، رغم أنه لا يوجد حتى الآن من يمكنه أن يحدد بدقة كيفية التعامل مع كل ما يتبقى من المادة المعروفة باسم "مصل الحليب"، التي تُخلّفُها عملية إعداد الجبن.

وتحظى تشكيلات الجبن المتنوعة والمختلفة الألوان والنكهات بشعبية كبيرة بين المستهلكين في مختلف دول العالم، وهناك مئات الأنواع من الأجبان المختلفة عن بعضها اختلافا كبيرا، إلا أن ما يميزها عن الجبن الأبيض هو أنها ناضجة أو معتقة في تصنيعها.

ويعد السويسريون الجبن سفيرا لسمعة بلادهم في العالم، لذلك يعرضون أشكالا مختلفة بألوان ونكهات متنوعة، وينظمون مسابقات خاصة، يتبارى فيها المئات من صناع الجبن من أجل الفوز بجوائز تلك الصناعة، ويحضر هذه المسابقة العشرات من الحكام من جميع أنحاء العالم بهدف اختيار “البطل السويسري للجبن”، وتشمل اللوائح الصارمة التي يضعونها لاختيار الفائز فئات الاختبار وشكل قطعة الجبن، وفتحاتها وتماسكها وحجمها وبريقها ونكهتها ومذاقها.

الجبن غني بمعدن الكالسيوم المفيد للعضلات وللعظام والمنظم للهرمونات والإنزيمات في الجسم

وينقسم الجبن السويسري إلى ثمانية وعشرين نوعا رئيسيا، من أشهرها الإمنتال والغرويير والإبينيزل، ويبقى السر المحير في الجبنة السويسرية لدى البعض ثقوبها التي تغري المستهلك وتسيل لعابه، إلا أن دراسات حديثة كشفت لغز الثقوب ولا سيما في جبن “الإمنتال” و”الإبينيزل”.

وأشار باحثون من معهد علوم المواد الغذائية "اغروسكوب" بالاشتراك مع نظراء لهم في "إيمبا" (المختبر الفيدرالي للتجارب على المواد والأبحاث) إلى أن الثقوب عائدة إلى جزئيات التبن التي تقع في الحليب خلال حلب الأبقار في الدلو التقليدي، لكن الاعتماد على تقنيات حديثة وأكثر مراعاة لمعايير النظافة كان وراء اختفاء “الثقوب".

وبفضل هذا الاكتشاف بات صانع الأجبان يدرك أنه بتحكمه في الجزئيات الصغيرة يمكنه التحكم بأعداد الثقوب التي يريد في أقراص الجبن.

ويتباهى الفرنسيون بحيازة بلادهم لحوالي 370 نوعا من الجبن فلا يكفون عن ترديد مقولة شهيرة لأحد شعرائهم القدامى "أنْ تنهي عشاءك بلا تناول الجبنة كأنْ تلتقي فتاة جميلة بعين واحدة".

ولا يغيب الجبن عن طاولة الطعام الفرنسية سواء في الفطور الصباحي أو ما بين وجبتي الغداء والعشاء أو للتحلية بعد الوجبات، ويصل ما يأكله الشخص الفرنسي سنويا من الجبن إلى حوالي 26 كلغ.

وتنفرد فرنسا بجبن الركفورت الأزرق الطبيعي، والجبن المعتق الذي يحفظ لشهور طويلة وتتكون بداخله فقاعات، ويشتهر كل إقليم فرنسي بنوع من الجبن يميزه عن الآخر، بل وتتم تسمية بعض الأنواع بأسماء الأقاليم التي أنتجت فيها.

فيما تشتهر مصر وبلاد الشام بجبن القريش الطري والأبيض اللون، وينتج عن طريق تخمر اللبن بواسطة بكتيريا حمض اللاكتيك، في عملية تسمى “تجبن حامضي". وهنالك أنواع مختلفة من جبن القريش المصنوع بمستويات متفاوتة من الدهون في ظل عملية تخثر صغيرة أو كبيرة.

ويتمتع جبن القريش بشعبية كبيرة لدى شعوب الشرق الأوسط، ويقبل عليه أصحاب الحميات ولاعبو كمال الأجسام لاحتوائه على نسبة عالية من بروتين الكازين وانخفاض نسبة الدهون فيه. وعلى الرغم من أن بعض أنواع الأجبان الخفيفة جدا مثل جبن "تشيدر" أو "جاك" تعتبر غير صالحة للأكل من الأساس لدى الصينيين، إلا أن صناعة الجبن أشبه بلعبة صينية انتقلت مفرداتها همسا من لاعب إلى آخر، لتظهر المفارقات في النهاية، مع تفوه آخر اللاعبين جهرا بالكلمة، التي تكون قد طرأت عليها العديد من التغيرات والإضافات من خلال انتقالها من فم هذا إلى أذن ذاك.

ولكن هذا الطعام المتعدد الأذواق والثقافات لا يوجد دليل حاسم يكشف موطنه الأصلي، وترجح بعض القصص المتداولة أنه انتشر في أوروبا مع بدايات الميثولوجيا الإغريقية، فيما تقول دراسة إن الإنسان القديم عرف الجبن وفنون تصنيعه قبل حوالي 8000 سنة.

21