"حب وسرقة ومشاكل أخرى" فيلم عن الوجع الفلسطيني يعرض في تونس

الفيلم يسرد بالأبيض والأسود قصة شاب فلسطيني مغامر يقع في ورطة حياته عندما يسرق السيارة الخاطئة.
الجمعة 2021/02/26
لص سيارات تتحوّل حياته إلى كارثة

تونس – يُعرض الجمعة، الفيلم الفلسطيني “حب وسرقة ومشاكل أخرى” للمخرج مؤيد العليان في المكتبة السينمائية التونسية (السينماتاك) بمدينة الثقافة في العاصمة تونس.

ويسرد العمل بالأبيض والأسود قصة شاب فلسطيني يقع في ورطة حياته عندما يسرق السيارة الخاطئة. السيارة التي اعتقد أنها إسرائيلية، وأنها وسيلة سهلة للحصول على المال من أجل السفر إلى الخارج بطريقة غير شرعية. تتحوّل هذه السرقة إلى كارثة حين يكتشف أن حقيبة السيارة التي سرقها تحتوي بداخلها على جندي إسرائيلي مخطوف.

وتنطلق أحداث الفيلم مع “موسى” الشاب الذي لا يحمل الكثير من صفات البطولة التقليدية ليكون هنا المواطن الفاشل و”غير الوطني” بالمعنى التقليدي للكلمة ونقيض الصورة النمطية (الإيجابية) عن الفلسطيني كما يطيب للسينما أن تقدّمه، إنه شخص يريد أن يعيش هو وعائلته وحبه الذي خسره حتى ولو من خلال بيع قطع السيارات الإسرائيلية المسروقة ليجمع ثمن هجرته إلى إيطاليا.

هنا الاحتلال القابع في الخلفية يحضر ببساطة شديدة وبقوة تمتلك القدرة على قلب خطط الشاب الساخط على كل شيء، حين يكتشف أن السيارة التي سرقها من مكان عمله في فلسطين المحتلة، حيث يبني ووالده بيوت المستوطنين، كان بداخلها جندي إسرائيلي أسرته الكتائب الفلسطينية.

من هناك ينقلب كيان الشاب وهو أمر لا يقتصر عليه بل على عشيقته التي تخون زوجا لم تحبّه، ووالده الذي يُصادر تصريحه، فيصبح موسى مطاردا من المقاومة ومن إسرائيل، لتنقلب عليه السيارة المسروقة من كونها وسيلة لتحقيق حلمه إلى نقيض ذلك.

الأحلام الفردية لموسى التي تتعارض فجأة مع أهداف المقاومة الفلسطينية تدفعه إلى إخفاء الجندي (الذي يعمل في الإذاعة الخاصة بالجيش الإسرائيلي) بدلا من تسليمه، وفي رحلة هربهما يجتمعان على طاولة لأم فلسطينية عجوز اعتقل الاحتلال ولدها الوحيد وأفقدها السكري بصرها، وفي قمة الوجع تطعم العجوز الجندي من دون أن تراه وهي تحلم بأن تسمع خبرا عن عودة ابنها الشاب بصفقة الجندي الأسير الهارب مع موسى.

ذروة درامية موفقة تمكّن من خلالها المخرج من أن يجمع فيها المصائر التي تخنق موسى وتقتله، وهو الهارب من كل الأعباء الوطنية والسياسية واللائذ بحلمه الخاص المتعثّر.

الفيلم يسرد بالأبيض والأسود قصة شاب فلسطيني مغامر يقع في ورطة حياته عندما يسرق السيارة الخاطئة
سرد لتفاصيل الواقع الفلسطيني الرثّ والمتهالك

أصبح موسى ملاحقا من الجانبين (الاحتلال والكتائب)، وبذكاء وظّف المخرج المشاهد بحسّ كوميدي عالي المستوى، فهو في الحالتين من الممكن أن يفقد حياته، كخائن أمام كتائب المقاومة، وكمتعاون بالنسبة إلى المحتل، وفي الوقت ذاته يريد أن يؤمّن المبلغ الكبير لمدير النادي الرياضي الذي سيسهّل عملية هجرته غير الشرعية، وهنا ينتقد العليان فساد السلطة بطريقة جيدة، فوجد الحل أخيرا، في مساومة موسى للكتائب بتسليمهم الجندي الأسير مقابل مبلغ مالي، فيقبلون الصفقة على مضض.

ومن ثمة نرى موسى في مشهد يجمعه مع لجنة الاتحاد الأوروبي المخوّلة إعطاءه تصريح دخول لأوروبا، فيسألونه عن موقفه من المرأة، وهل يمانع في زيارة متحف أوشفتيز لضحايا النازية من اليهود، فيومئ برأسه بالقبول مع أنه لم يفهم شيئا، ويحصل على التأشيرة.

إلى هنا تبدو أن كل مشكلات موسى انتهت، لكن القصة تعود وتحيط بالإنسان الفلسطيني إذا ما قرّر أن يحلم، فلا يجد أمامه طريقة لتحقيق هذا الحلم سوى السرقة والمساومة، وفي الوقت نفسه يرفض أن يكون عميلا للاحتلال وإخبارهم بمكان الكتائب وتسليم الجندي لهم.

عندما صارت التأشيرة في جيب موسى، وحلمه اقترب من أن يتحقّق، ذهب إلى الحب مرة أخرى، ليتّفق مع حبيبته على كل شيء، لكنه لم يعلم أن انتقام الاحتلال كان حاضرا، فقد تمّ تصوير علاقتهما بشكل كامل، وبدأ المحقّق من جانب الاحتلال في ابتزازه، حتى يدلّه على مكان الكتائب الفلسطينية، وفي لحظة ضعف يشعرنا التطوّر الدرامي للأحداث أن موسى استسلم، لكنه وفي اللحظة التي يمكن فيها للاحتلال معرفة المكان من خلال الكاميرا التي يحملها موسى، يقرّر الشاب الفلسطيني قطع الإرسال.

وفي اللحظة ذاتها تصل صور موسى مع عشيقته إلى الزوج، وتقترب النهاية، بعد اكتشاف الزوج الخيانة، ويقرّر قتل زوجته لكنها تقتله، ويتحمّل موسى المسؤولية كاملة فيدخل السجن.

في النهاية يضع المخرج المشاهد إزاء بداية جديدة للفيلم، حيث حبيبته وطفلتها (هي في الحقيقة ابنة موسى غير الشرعية) في زيارة خاصة لموسى المحكوم بالمؤيد يتبادلان الضحكات والأحلام.

نهاية مُربكة وغير متوافقة مع أحداث الفيلم، وفيها نوع من الضياع، لكن الخلاصة تؤكّد أن موسى لم يساوم على أمرين الوطن والحب، فمن أجلهما ضحّى بحياته، ما يعني أن الفلسطيني يمكن أن يكون أيّ شيء، لكنه من الصعب أن يرضى بأن يكون عميلا حتى لو كان لصا.

هكذا يعرض فيلم “حب وسرقة ومشاكل أخرى” تفاصيل الواقع الفلسطيني الرثّ والمتهالك الذي يحمل مجموعة من الإدانات حيث المسؤول الرياضي الفاسد، والأجانب الذين يدمّرون البلد ويهجّرون شبابها بسياساتهم الخاصة، والاستخبارات التي تتربّص بالإنسان الفلسطيني، والأب صاحب الحظ العاثر، وأم الأسير التي خسرت نظرها قبل رؤيتها لابنها المسجون.

فيلم “حب وسرقة ومشاكل أخرى” هو العمل الروائي الطويل الأول للمخرج مؤيد العليان الذي شارك أيضا في التأليف والإنتاج بالتعاون مع شقيقه رامي العليان، وقام ببطولة الفيلم كل من سامي متواسي ومايا أبوالحياط ورمزي مقدسي ورياض سليمان وكامل الباشا وحسين نخلة.

صوّر الفيلم في أجزاء منه بمدينة بيت لحم، وهي المدينة التي يعيش فيها المخرج المولود في الكويت في العام 1985، والذي درس السينما في سان فرانسيسكو.

وتصوّر أعمال العليان واقع الفلسطينيين الشباب في ظل الاحتلال، ونال فيلمه القصير الأول “ليش صابرين” جائزة في مهرجان الفيلم القصير في كليرمون فيرون بفرنسا، ليجول بعدها على نحو 60 مهرجانا عبر العالم، أما فيلمه الوثائقي الأول “منفيون في القدس” فحصل على جائزة كوداك للإبداع الفني في سان فرانسيسكو في عام 2005.

15