حب وصراعات وتحر وقطع أنفاس تلتقي في "دومينيون"

الباحثون عن أثر للحياة على سطح الكوكب، أثر لما بعد انهيار الكوكب الأرضي ووقوع الكوارث والإبادات، سيحل أولئك الباحثون في الصحارى والوهاد بأزيائهم الطويلة المسدلة ووجوههم المغطاة بالأقنعة، وهم ينقبون في القفار عن تلك البقايا حتى إذا ما اكتشفوا صروحا لأمم بائدة، كان ذلك إيذانا بغزو للأرض من سكان كوكب آخر، ملاذ جديد يتم استعماره بعد النزوح من الكوكب الأم، هاهم يقتفون الأثر بأجهزة بالغة التطور توصل إلى تلك البقعة النائية، حيث يزاح عن صرح هائل وسط الصحراء يشبه إلى حد ما آثار البتراء في الأردن، من هناك تبدأ رحلة فيلم “دومينيون” للمخرج ريتشارد لوري، فإلى أين منتهاها؟
الاثنين 2015/11/02
خمسة أيام بقيت على انهيار الأرض

في فيلم “دومينيون” للمخرج ريتشارد لوري (إنتاج 2014) سنكون منذ البداية أمام حقيقة مريرة مفادها أنه لم يبق أمام الانهيار الكبير للأرض سوى خمسة أيام فقط، وبعدها سيقع الغزو الكبير لاحتلال الأرض ومحو أثر الحياة فيها، حقيقة سيكتشفها روبرت (الممثل باري لينتش) المحقق السابق في الاستخبارات الذي سيلاحق ما يجري في الخفاء وما يخبؤه الغد من مخططات تتشابك فيها قوى “الدومينيون” الغازية، في وقت يكون مصدر المعلومات ليس إلاّ إنسان قادم من كوكب آخر للتحرّي، ولكنه يقع في غرام فتاة من الأرض.

الحب والصراعات والتحرّي وقطع الأنفاس كلها تتلاقى وتتقاطع في ذلك السرد الفيلمي، المساحة الدرامية الممتدة منذ المشاهد الأولى ستتيح الاستمتاع بأحداث متنامية واستكشافات ومفاجآت يتنامى خلالها الخطر المحدق بالكون وتتلون فيه الحقيقة بألوان شتى، هنا سيكون جالين (الممثل ترافيس هامر) الغرائبي القادم من المجرات المجهولة محورا مهمّا للكشف عمّا هو آت من خلال تلك الرواية التي أدهش بها روبرت وهو الذي يعيش تخاطرا مع فتاته الأرضية أليسا (الممثلة كريستين جويل).

جالين سيعيش عذابات حبيبته وآلامها، فقد تم اختطافها لغرض إجراء البحوث عليها لأنها على وشك الوضع، وللبحث في طبيعة الكائن الذي سيولد من تزاوج ما بين امرأة من الأرض ورجل من الكواكب والعوالم الأخرى، وهو يعيش صراعا مريرا ما بين التعاطف لإنقاذ البشرية وبين إنقاذ فتاته.

خطوط الصراع وتجلي الحقائق مع الأطباق والكواكب المحلقة وتحت وقع الترقب مما هو آت ستقودنا إلى اكتشاف حقيقة وجود مراكز للأبحاث في الطبقات الدنيا من الأرض، في تلك الصحارى النائية وهناك يجري البحث في الجينات الوراثية وعلم الأجنة، حيث يتمّ اغتيال العالم ماريك (الممثل بوبو ستيوارت) بملامح الهنود الحمر التي تفيض من محياه، وهو الذي سيتوصل إلى الأماكن المجهولة تحت الأرض التي تجري فيها المؤامرة على الأرض من أجل أن يحتلها الغرباء من الكواكب الأخرى.

تلفت النظر في هذا كله المواجهات الغرائبية بين سكان الأرض وبما فيهم روبرت مع أولئك الحراس الأشدّاء الذين يتم إكثارهم جينيا والمتجردون من المشاعر سوى أنهم ينفذون الأوامر التي لُقنت لهم، لكن مشهدا تتم فيه إصابة روبرت إصابة بليغة برصاص أحد أولئك الحراس، ثم تحامله على جراحاته ومضيّه في مهمته الاستكشافية لا يبدو مقنعا بما فيه الكفاية، لا سيما وأن موضوع تلك الإصابة برمته سيُطمس ويُنسى ليمضي روبرت في مواجهاته.

لعل الحل الإخراجي هنا والبناء الدرامي قد تميزا بقدر من التماسك من خلال ذلك التنوع في الشخصيات واختلاطها مع بعضها، والسرد الفيلمي القائم على اكتشاف مزيد من الحقائق عن تلك المغامرة المخبأة التي ينطوي عليها بدء العد التنازلي للاجتياح والغزو، التدرج في نموّ المعلومات والحقائق ومتعة الاكتشافات كانت عناصر إضافية في ذلك التنوع ضمن الدراما والسرد اللذين انطوى عليهما هذا الفيلم.

بموازاة ذلك كان الخط الدرامي المرتبط بالثنائي جالين وأليسا يحمل إيحاءات شتى باتجاه إرساء نوع من السلم ما بين سكان الكوكب الأرضي من جهة والكواكب الأخرى من جهة أخرى، فالعلاقة المضطربة الملتبسة القائمة على فكرة الغزو تجد لها هنا مقاربة أخرى تتعلق بمشاعر وجدانية من جهة واندفاع جنوني لاستغلال الإنسان من جهة أخرى، ومن ذلك استخراج جنين أليسا من أحشائها وإلقائه في بوتقة زجاجية لغرض إجراء مزيد من الأبحاث.

على صعيد آخر تمّ استخدام خط درامي مرتبط بماريك، بجذوره الهندية وشعره المسدل، مع عرض صور لأسلافه الذين أبيدوا على يد سكان أميركا الوافدين، ثم التعاويذ التي استخدمها من أجل مباركة مسعاه ومسعى زميله روبرت للوصول إلى الحقيقة وإنقاذ أهل الأرض وتحذيرهم من الكارثة المقبلة، إلاّ أن تلك التعاويذ لم تفلح إزاء القدر المتربص بماريك ومن ثمّ اغتياله بدم بارد، ليمضي روبرت في مساره في تتبع الحقيقة.

ويبقى الخط الأكثر إثارة في المسار الفيلمي هو ذاك المرتبط بالحلف غير المقدس ما بين علماء من بني البشر وبين أقوام “دراكونيان”، الذين يشتركون في التجسس والتحرّي بعيدا في تلك الصحارى بعمق عدة طبقات تحت سطح الأرض.

16