حتمية "اكتئاب ما بعد الولادة" تواجه الأم عقب الإنجاب

أثبتت الدراسات أن ما يعادل 80 بالمئة من السيدات يكنّ عرضة للإصابة بما يعرف بـ”اكتئاب ما بعد الولادة”، وتصاب معظمهن بحزن شديد، وذلك لاضطراب الهرمونات لدى المرأة بعد الولادة، فهناك سيدات يصل الأمر بهن إلى كره الطفل المولود حديثا، وأحيانا إلى رفض الواقع وكل ما يحيط بهن.
الأربعاء 2016/03/02
ثمن الانجاب.. من عناء جسدي إلى عناء نفسي

بعض السيدات اللاتي يغادرن المستشفى بعد ولادة طفلهن يعانين مشاعر غريبة ومتناقضة وإحساسا بالوحدة والحزن واليأس يصل أحيانا حد البكاء دون توقف أو فقدان القدرة على البكاء، وقد يتطور هذا الوضع بعد أيام قليلة إلى القلق والانفصال عن الواقع.

تفقد الأم التي أنجبت حديثا الشعور بالمتعة والسعادة، والأهم من ذلك لا تدرك الطرق المثلى للتعامل مع طفلها. ويفسر أطباء النفس هذه المشاعر بأنها “اكتئاب ما بعد الولادة”، حيث تعاني بعض الأمهات من تأثير صدمة الولادة وتغيير نمط الحياة والعناية بالطفل والرضاعة وغيرها من المسؤوليات الجديدة والغريبة التي تقع على عاتقها، مع ما يصاحبها من تغيير في عمل الهرمونات خلال فترة الحمل.

اكتئاب ما بعد الولادة حالة شائعة، ونعلم أن هناك ما بين 10 و15 امرأة من كل مئة امرأة يضعن طفلا ويصبن بهذه الحالة. ويمكن أن يفوق العدد الحقيقي هذا الرقم بكثير، لأن العديد من النساء لا يقمن بطلب المساعدة والتحدث مع الآخرين بما يشعرن به.

“كأنني أقف في قعر بئر عميق.. وأنظر إلى الضوء في الخارج، حيث الناس يعيشون حياتهم اليومية وينعمون بالسعادة.. وأنا ما زلت في مكاني أعجز عن تسلق الجدار ولا يمكنني الخروج… هناك.. دائما يقبع هذا الجدار غير المرئي.. وكأن ثقل العالم كله يقبع على صدري ويكتم أنفاسي.. كيف أخرج من هذه الظلمة؟”. هذه بعض المشاعر المتناقضة التي وصفتها امرأة أميركية مصابة باكتئاب ما بعد الولادة، حيث يعتقد أغلبهن بأن الأمور لا تسير على ما يرام وأن هناك خطأ ما في علاقتهن بأطفالهن وبعلاقاتهن الاجتماعية عموما. وكتبت سيدة أخرى تقول لطبيبها “استيقظت بعد ستة أيام من الولادة ولدي هذا الشعور الفظيع بالفزع والانزعاج من شيء لا أدرك كنهه، وكأن شيئا رهيبا على وشك الحدوث”. البعض الآخر من الأمهات يصبن بأعراض جسدية إضافة إلى الأعراض النفسية، ومنها الشعور بالتعب والإجهاد السريع، الغثيان، مشاكل في الهضم وآلام مبرحة في جميع أجزاء الجسد ليس لها أي عارض صحي محدد.

ما بين 10 و15 من كل مئة امرأة يضعن طفلا يصبن بحالة اكتئاب ما بعد الولادة

لكن الأمر المحزن حقا، أن الأم المصابة بهذا النوع من الاكتئاب قد يمكنها متابعة القيام بالواجبات المنزلية بشكل ما لكنها في أغلب الأحيان تعجز عن تقديم الرعاية اللازمة لطفلها حديث الولادة، ما يشعرها بذنب مضاعف لعدم قيامها بواجبها الأمومي على أكمل وجه، في حين أن بعضهن يبالغن في العناية بالصغير ويقدمن له كل الحب والحنان إلا أن شعورا بعدم اكتمال هذا الفعل وعدم الإحساس بجدواه هو ما يتسبب في تفاقم أزماتهن النفسية.

وترى كارين كليمان، وهي مؤسسة مركز الإجهاد النفسي الخاص باكتئاب ما بعد الولادة في ولاية فيلاديلفيا الأميركية، أنه لا يتحتم على الأم التي تعاني من هذه الأعراض تبرير ما تمر به من مشاعر ونكوص أو تقديم تفسيرات للآخرين عن تصرفاتها التي تبدو وكأنها غير طبيعية، فقد يكفيها ما تعانيه وتكابده من آلام نفسية وجسدية لكن الأمر في الواقع غير ذلك، فالناس المتواجدون في المحيط الاجتماعي يمثلون عامل ضغط مستمر على الأم حتى إذا كان تدخلهم هذا بصورة غير مباشرة أو غير مقصودة.

كبار السن مثلا يتدخلون في طريقة تربية الطفل والعناية به وغيرها من التفصيلات الصغيرة التي تسبب توترا للأم المستجدة، حتى للتي لم تعان من هذا العارض النفسي، في حين تتفاقم الأزمة عندما تكون الأم مصابة بالاكتئاب فعلا، فيصبح أي قول أو تدخل بمثابة اتهام أو تساؤل غير مشروع ومزعج يؤجج أحزانها وآلامها النفسية. وتضع كليمان في العديد من مقالاتها ومؤلفاتها وبرامجها التلفزيونية في هذا المجال، مجموعة من الحلول المريحة التي من شأنها أن تنتشل الأم من قوقعتها المظلمة وذلك من خلال البوح والتحرر من الخوف، فالتحدث إلى المقربين ممن تثق بهم أو للمعالج النفسي يمكنه أن يساعدها على تحسين مزاجها والعناية بطفلها، إذ أن نوبات الاكتئاب هذه إن لم يتم التصدي لها في الوقت المناسب فقد تؤدي إلى دورة طويلة من المرض يحدث فيه تكرار منظم للأعراض ذاتها، فالعلاج المبكر ضروري وحاسم في هذه المرحلة بالذات.

من ناحية أخرى، تتسبب أعراض الاكتئاب غير المعالج في مضاعفات صحية خطيرة، كما أنها تؤثر بصورة مباشرة في تشويه العلاقات الأسرية والاجتماعية عموما، في حين قد تلجأ بعض السيدات إلى تناول الكحول والعقاقير المهدئة الأمر الذي يزيد من سوء حالتها ويقلص فرصتها للاستجابة للعلاج، والأهم من كل ذلك أن اكتئاب ما بعد الولادة قد يدمر العلاقة بين الأم وطفلها منذ البداية ليبقى هذا الشعور بالذنب مصاحبا لها طيلة سنوات الطفل الأولى.

21