حتى تقول الأجيال اللاحقة: هنا دفن بن علي

بن علي مات منفيا، وقد يكون نادما وتائبا، لذلك يستحق أن يكرّمه التونسيون بدفنه في تونس، لأنهم بذلك يكرمون جزءا هاما من تاريخهم لن يستطيعوا محوه حتى بمرور الزمن.
الجمعة 2019/09/20
عقوبة بن علي كانت الموت في المنفى

مات بن علي، مات الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي يوم التاسع عشر من سبتمبر، بعد أربعة أيام من انتخابات رئاسية جرت في تونس، وأحدثت، حسب وصف وسائل إعلام تونسية، زلزالا في المشهد السياسي.

التونسيون الذين أصدروا حكما على بن علي في يوم 14 يناير 2011 رافعين بوجهه شعار “ارحل”، قادوا ثورة أخرى يوم 15 سبتمبر 2019.

واجه التونسيون بن علي في الشارع، ونجحوا في إنهاء حكمه. التونسيون أنفسهم واجهوا منذ أربعة أيام زعماء وأحزابا سياسية أتت بهم الثورة، معلنين سحب الثقة منهم، ليس في الشارع، ولكن عبر صناديق الاقتراع.

توفي بن علي في المنفى، لم يواجه قضاته، ولكنه تلقى عقوبة، هي أشد من عقوبة السجن، عقوبته كانت الموت في المنفى.

في الأيام الأخيرة، ومع وصول أخبار تؤكد اشتداد المرض ببن علي، اتخذ رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، قرارا حكيما وشجاعا، سيحُسب حتما له، قال إنه سيسمح لبن علي بالعودة إلى تونس، إن كان في حالة مرضية حرجة، ليموت بهدوء في بلده.

اليوم، بن علي رحل عن عالمنا، وخرج الحكم عليه من بين أيدينا، سيقف الآن بين يدي عدالة لا تخطئ، علينا نحن البشر الفانون أن نحترم رهبة الموت. وأمام التونسيين فرصة ليثبتوا فيها قدرتهم على التسامح.. حتى الأعداء يستحقون احترامنا.

لن يستقبل بن علي استقبال الأبطال، يكفي أن يدخل تونس بهدوء وصمت يرافقه بعض من أهله، ويدفن في زاوية قرب شجرة زيتون

بن علي أخطأ، لا ريب في ذلك، من منا لا يخطئ، وسواء غلطوه، كما قال، أو أخطأ عن عمد، سيبقى فصلا من فصول التاريخ التونسي. من قال إن التاريخ يكتبه الطيّبون فقط، وأنه حصيلة الأفعال الخيّرة النبيلة؟ التاريخ توليفة من الأفعال، فيها الطيب وفيها الشرير، فيها الصواب وفيها الخطأ.

من مات وهو يظن أنه على حق، قد تفتح له أبواب الجنة. لقد قيل لنا إن الأعمال بالنيّات، ومن تاب قبل أن يوافيه الأجل، لا يحق لنا أن نحكم عليه.

لا شك أن بن علي أساء للكثير، سيقف معهم يوما أمام الحق، أو أمام التاريخ. وما أدرانا، قد يكون بن علي أحسن يوما للبعض.. عندها ينطبق عليه ما قيل عن امرأة دخلت الجنة لكلب سقته.

الثورة التي شهدتها تونس، لقّبت بالربيع، وآخرون لقبوها بثورة الياسمين، لأنها أقل الثورات كلفة في الأرواح والممتلكات. لأن بن علي هرب، لم يتشبّث بالحكم، هروبه وفر على تونس الكثير من الألم الذي شهدته دول أخرى تشبث زعماؤها بالكراسي.

بن علي مات منفيا، وقد يكون نادما وتائبا، لذلك يستحق أن يكرّمه التونسيون بدفنه في تونس، لأنهم بذلك يكرمون جزءا هاما من تاريخهم لن يستطيعوا محوه حتى بمرور الزمن. ما يستطيع التونسيون أن يمحوه هو الحقد والكراهية، وهذا يسير عليهم.

لن يستقبل بن علي استقبال الأبطال، يكفي أن يدخل تونس بهدوء وصمت يرافقه بعض من أهله، ويدفن في زاوية قرب شجرة زيتون. من حق الأجيال القادمة أن تقول هنا دفن بن علي، سواء كرهوه أو أحبوه.

6