حتى روما ليست مدينة حقيقية إذا كتبناها

الشارع الذي يصفه الكاتب هو غير الشارع الذي نمشي عليه لأنه يورد تفاصيل معيّنة ويسكت عن أخرى.
الأحد 2021/09/26
الفضاء يعبرّ عن فلسفة في الحياة (لوحة للفنان محمود فهمي عبود)

يعتبر الفضاء السردي مكانا يمكن أن يتمّ فيه نشاط أو يطرأ حدث أو تتفجّر حادثة، وقد يكون مفتوحا على أماكن عديدة أو محدودا في مكان واحد، والبعد الدرامي الذي يساهم في بناء الزمن، يساهم أيضا في بناء الفضاء. ولذلك قيل إن بنية الفضاء تُدرك عن طريق السرد، وتعاقب منظّم لصوَر شاعرية، أي أن السردية هي التي تصنع الفضاء، وتبيّنه وتشيّده.

إن الفضاء في الرواية ليس مجرّد مكان تسكنه الشخصيات فتغادره وتؤوب إليه صبحا وعشيّة، بل هو تجسيد للكيفية التي ينظر بها الكاتب وشخصياته إلى العالم، ولذلك يختلف الوسط التخييلي عن الوسط الواقعي، وإن ظل يعقد معه علاقات متعددة.

 فالفضاء الروائي يحمل معاني تحيل على واقع آخر ينبغي ترميزه، فهو فضاء وظيفي يقوم على العلاقة الوطيدة والحميمة التي يقيمها مع الإنسان، وتعبير مادي عن الفكر، وما يصفه نجيب محفوظ في رواياته الواقعية مثلا ليس مجرد شوارع وأزقّة، وحارات وميادين، ومبان سكنيّة ومكاتب إداريّة، وغرف وأثاث، بل هو مناخ كامل يضج بالأحزان والمسرّات، بالآلام والأحلام، بالحرمان والملذات، بالمطامح والخيبات، ويعكس انتصارات أبطاله وانكساراتهم، أي أنّ الفضاء يخلق نوعا من التناغم والانسجام بين الأماكن والشخصيات، فالوسط يعبّر عن طبائع البشر، ويكشف عن الكائنات والأشياء التي يخفيها.

وقد يعبرّ الفضاء عن فلسفة في الحياة، فأبطال سارتر مثلا يبدون في معظمهم داخل فضاء مغلق، غرفة بسيطة ينحبسون فيها ولا يريدون مغادرتها، أو قلّ أنْ يغادروها، فهي بالنسبة إليهم غرفة مغلقة، وفي ذلك تأكيد على ما ينتاب إنسان تلك المرحلة من شعور بالضيق والاختناق، في عالم متحوّل، خارج من حرب مدمّرة، وتائق إلى مستقبل لم تتضح بعد آفاقه. حتّى وصفه للموجودات زهيد، وكأن علاقته بها معدومة أو تكاد، فهي، على قلتها، تشغل مكانا وضعت فيه، ولا تعلم أيّ دور سوف تُدعى إليه.

ولئن كان بعض الكتاب حريصين على زيارة مسرح أحداث رواياتهم قبل تحريرها، حتى يكونوا أكثر دقة ووفاء في نقلهم للتفاصيل، كما كان يفعل أمبرتو إيكو، فإن كتّابا آخرين يعتمدون على ذاكرتهم في وصف الأمكنة، والغاية دائما جعل العمل الروائي قريبا من الواقع، وجعل أبطالهم شبيهين بمن نصادفهم في حياتنا اليومية، فيلفتون انتباه قرائهم إلى ملامح وخصائص لم ينتبهوا إليها. فقد نمر كل يوم بمكان في حيّنا لا تثير فينا بيوته وأبوابه ونوافذه أي شيء، بحكم العادة، ولا ننتبه إلى جزئية، كنقش في باب عتيق أو لوحة خزفية متآكلة على جدار، إلا حين يثبّتها الروائي في وصف يعيد إليها الحياة، ويربطها بواقعة أو حادثة أو حكاية طريفة.

غير أن تجربة القارئ قد يكون لها دور حاسم إذا ما بالغ الكاتب في تقديم عناصر توبوغرافية حقيقية تطغى على عناصر أخرى متخيلة، لأن تلقي الرواية عندئذ سيختلف من قارئ إلى آخر، ويتباين الموقف بين من يعرف المكان الموصوف ومن لا يعرفه.

وقد يحاسب القارئ الكاتبَ كما اعترف أمبرتو إيكو نفسه، وهو الذي كان حريصا على تسجيل كل شيء في مسرح أحداث روايته، حيث راسله أحد قرائه ليصوّب له خطأ وقع فيه، ويذكّره بأن حريقا نشب في الليلة والساعة اللتين يوردهما دون أن يجد صداه في روايته.

تلك الطرفة دفعت إيكو إلى التفكير في العلاقات القائمة في ذهن القارئ بين الواقع والخيال، غير أن كتابا ونقادا آخرين يعتقدون أن الشارع الذي يصفه الكاتب هو غير الشارع الذي نمشي عليه، لأن الكاتب يورد تفاصيل معيّنة ويسكت عن تفاصيل أخرى، ما يجعل الصورة التي نحملها عن ذلك الشارع كلها مغايرة، لأن الكاتب يستعيض عنها برؤية مخصوصة غير رؤية من اعتاد المرور بذلك الشارع، ما يعني أن عالم التخييل لا يتماهى تماما مع عالمنا الخاص برغم وجود نقاط تشابه كثيرة، ولكنها دون علاقة برجحان السردية وإمكانية حدوثها أو وجود عناصرها وجودا ماديّا ملموسا.

ثمّ إنّ المكان يمثّل خصوصيّات هجينة يمتزج بعضها ببعض، فروما مثلا ليست مجرد مدينة حقيقية، وإنما هي أيضا مدينة جُعلت حتّى لمن لم يزرها، ومن ثَمّ فهي تشغل أخيلة تتمازج كي تبني تصوّرا متعدد العناصر.

في الرواية التقليدية، يقع عرض الزمن والفضاء مقدَّما، لتحلّ فيهما الشخصية التي تصنع الحدث، ولكن إمكان تحرّكها وتدخّلها وتجلّيها يظل رهين الزمن والفضاء اللذين توضع فيهما، حيث يعمل طابعها القارّ بنوع من الحتمية، له علاقة بالحبكة والنظام السببي للأحداث.

 أما الرواية الحديثة فقد جعلت الفضاء غائما، حيث يتم وصفه عن طريق وعي ما، ما يجعل الموجودات تُدرَك بكيفية تختلف باختلاف الذات التي تصفها، إذ لم يعد ثمة شيء ثابت في العالم الروائي لكاتب يمارس “الواقعية الذاتية” بعبارة أحدهم، أو تقنية زاوية النظر، أو تعدد الاحتمالات، إذ باتت الموجودات لا تجد قَوامها إلا بفضل الذات التي تعضدها، فالكتاب المحدثون يعتقدون أن التصورات التقليدية للزمن والفضاء عفا عليها الزمن، لأن آفاق الإنسان تسير نحو الاتّساع فلا مجال عندئذ لإيلاء العقل ثقة مطلقة، أو الاعتقاد بأن الذكاء يمكن أن يحلّ كل مشكلات الحياة، والأمر متروك إذن لمقاربات مستجدّة، يتسابق كل واحد في ابتكارها، دون الحرص على تأمين الأفق السردي.

لا جدال أنّ للأفق السردي دورا هامّا في تنظيم الفضاء داخل الرواية، فهو يحدّد عناصر روائية أخرى، وخاصة الزمن والشخصية، وقد اعتاد النقاد التأكيد على انسجام كل تلك العناصر في الرواية الناجحة، فهي تدخل في البنية الروائية وتحوّرها، لكونها محوَّرة هي ذاتها. والمكان الأدبي هو اتصال بين ثلاثة أعمال: تعيين الموضع، تحديده، وإضفاء خصوصية عليه، وذلك يتمّ بفضل وصف لا يكون حصريّا، أو نظرةِ الشخصية خلال تجوالها.

ولئن كانت التصورات الفضائية في الروايات الحديثة تختلف من كاتب إلى آخر، فإن الفضاء في الرواية ليس عنصرا معزولا تماما عن بقية العناصر، بل إن له معها علاقات على مستويين: مستوى يكون فيه الفضاء دالّا يساهم في إنتاج الرواية، ومستوى عاديّا يلفت الانتباه إلى الكيفية التي بُني بها الفضاء والدّور الذي يؤديه داخل السرد. والمظهران لا يتناقضان عموما، بالرغم من أن أحدهما قد يغطّي على الآخر لدى بعض الكتاب كما هي الحال في روايات ألان روب غرييي، حيث الفضاء ثابت جامد دون حضور بشري، إذ ثمة جملة من الدلالات بين الأمكنة والشخصيات، وبين الفضاء والموجودات، فضلا عن الانسجام بين الفضاء وكامل الرواية من جهة وحدتها السردية.

10