حتى في القصص لا توجد حقائق ولكن تأويلات

يحمل كل جيل من الأجيال القصصية في الكويت أسئلته الخاصة التي تتعلّق بالكتابة وأسبابها وهمومها. ورغم تشابه الملامح من حيث الاشتغالات القصصية العامة فإن بعض التجارب استطاعت أن تكون مختلفة عن المشهد حاملةً ملامحها التي لا تشبه أحداً سواها. “العرب” توقفت مع القاص الكويتي عبدالوهاب سليمان في حوار حول تجربته القصصية وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
الاثنين 2017/08/28
نتوقف أحيانا لنتجاوز

يرى القاص عبدالوهاب سليمان (مواليد الكويت 1983) أن الكتابة ليست معادلة رياضية مطلقة، ولا خلاصا بحد ذاتها. بل هي وسيلة لغايات عديدة، إما جادة أو تافهة، وقد تكون وسيلة للشهرة لدى البعض، أو وسيلة للخلاص لدى البعض الآخر. وفي حالته، يحاول، عبر الكتابة، تأويل ما يعيشه أو يسمعه، ويتقصى جذور ما يعانيه، ويحاول أن يفسر العلاقات الصحية أو المضطربة ما بينه وبين الآخر أو بين الآخرين، مستذكراً ما قاله نيتشه “ليس هناك حقائق بل فقط تأويلات”. لهذا لا غرابة أن نجد في قصص سليمان سمة تأملية مشتغلة بالتفاصيل البسيطة والمعقدة، فهو يدرك أن الكتابة كاميرا عليها أن تختار ما هو جميل، وأن تفكك ما هو مركّب، وأن تبسّط ما هو معقّد.

المفارقة القصصية

رغم ما يعتري بعض الأعمال السردية الكويتية من تنميط، ونظرة عاطفية، فإن السرد الكويتي استطاع الانتشار

في سنة 2011، كتب عبدالوهاب سليمان أولى مقالاته وقصصه في الصحافة الكويتية، وأصدر في السنة نفسها، عن دار بلاتينيوم بوك الكويتية، مجموعته القصصية الأولى “ذاكرة النوير” متكئا في نصوصه على المفارقات الكوميدية الساخرة أحياناً، والسوداء في أحايين أخرى، وضاحكاً في بعضها الآخر على القدر، وعلى تراكمات الثقافة النسقية التي تشكّل أبعاد شخصياته القصصية المقتنصة من واقع مكابدات الحياة اليومية.

هذه النتيجة دفعته إلى الاجتهاد، بتأنٍ، حالياً، في كتابة رواية تتخذ من التاريخ الكويتي الحديث خلفية لها، حيث يسانده في مشروعه أصدقاؤه المقربون رغم فترات التوقف بين الحين والآخر بسبب الظروف الأسرية والمهنية التي تحيط به، وقد تؤخره أو تعيقه أحياناً عن مواصلة مشروعه.

مشروع سليمان الروائي القادم لم يبعده عن إغراء القصة القصيرة، فهو لا يزال متمسّكاً بها وبكتابتها. يقول متحدثاً لـ”العرب” إن “كتابة الرواية لا تعني التخلي عن كتابة القصة القصيرة. توقفت عن إصدار الكتب بعد ‘ذاكرة النوير‘، لكنني لم أتوقف عن نشر القصص والمقالات في الصحف والمجلات والمواقع. الغاية من التوقف هي تجاوز التجربة الأولى وتطويرها، والانشغال بالقراءة في المسائل الكبرى كالهوية، والطائفية والاستبداد وغيرها من عوامل شكلت جوهر ثورات وحروب المنطقة منذ 2011 وما قبلها. في الحالة الكويتية، لم نكن ولن نكون بمعزل عما يجري في المنطقة، وله أثره الشديد على العلاقات الاجتماعية بين سائر المكونات، وأسهمت منصات التواصل الاجتماعي في إيصال ما كان يقال في الدواوين المغلقة إلى العلن، وهي بالمجمل ظروف تستوجب الكتابة عنها شريطة نضج الأدوات، والقدرة على إكمال جزء منقوص من أحجية المنطقة السياسية والاجتماعية بصورة أدبية”.

يشير ضيفنا إلى ضرورة عناية القاص بأدواته القصصية وتطويرها وتأملها وتفكيكها إلى جانب اهتمامه بالعناصر المهمة التي يجب أن يعتني بها القاص كاللغة والحبكة. يقول “نجد أن المفارقة هي السمة الأبرز في الفن القصصي، ويرى بعض النقاد أن القصة هي فن المفارقة. منذ ما قبل دخول مصطلح المفارقة في النقد الأدبي، وتقسيمه لاحقا لأنواع منها السياقية والزمنية، كانت وما زالت المفارقة أداة توليد وابتكار لتقنيات القص، وفي حالة المفارقة الزمنية مثلا، نجد أن القصاصين قد ابتكروا تقنيات خلقت المفارقة الزمنية كالاستباق والاسترجاع. لذا، أرى أن إدراك القاص لأنماط المفارقة ومستوياتها مفتاح رئيس لكتابة قصة قصيرة تترك أثرا لدى القارئ”.

مشهد كويتي

سمة تأملية

دفعنا الحوار إلى الحديث عن موقع الرواية الكويتية في السرد العربي، وهل استطاعت أن تشق طريقها إلى القارئ العربي، خصوصاً أمام هذا الكم الروائي الكبير الذي تغلب عليه السطحية وعدم النضج الكافي للدخول في مضمار المنافسة العربية.

في هذا الشأن يرى ضيفنا أنه “رغم ما يعتري بعض الأعمال السردية الكويتية من تنميط، ونظرة عاطفية تجاه الماضي، فإن السرد الكويتي استطاع الوصول إلى قراء العربية، ووضع بصمة مميزة بدعائم قامت على يد إسماعيل فهد إسماعيل، الأب الروحي للسرد الكويتي المعاصر، وتعززت بفوز روايات كويتية بجوائز عربية”.

ويتابع في الموضوع نفسه “أشعر بأن السرد الكويتي لن يكتفي بما حققه، بل سيحقق المزيد طالما استمر الوعي بحرية الكلمة رغم الظروف الرقابية، والرغبة الحثيثة في تطوير الأدوات السردية والإطلاع على التجارب العالمية بروح كويتية منفتحة على العالم وجدت منذ قرر الكويتيون الارتحال برا وبحرا واستكشاف العالم”.

إثر سؤال عن ملف الكويتيين البدون، وهل ما زال العمل عليه من قبل المثقفين جادا ومجديا، أم أن نبتة اليأس نمت على أرواحهم؟ وكيف يتعامل المثقف الكويتي –سواء كان من البدون أو من غيرهم- مع هذا الملف الشائك، أجاب سليمان “رغم تجاهل المؤسسات الرسمية للمثقفين من الكويتيين البدون، ووصفهم من قبل البعض بـ ‘الصوت الآخر‘ في الأدب الكويتي، فإن المثقفين الكويتيين البدون استطاعوا وضع أنفسهم في خارطة الإبداع شعرا كدخيل الخليفة ومحمد النبهان، وسردا كناصر الظفيري، وفي أدب الطفل كلطيفة بطي الفائزة بجائرة زايد للكتاب. هذا التميز لا يستدعي اليأس، بل استكمال المهمة القائمة على إعادة قضية البدون لموقعها الأساس كقضية إنسانية لا سياسية أو اجتماعية، وهم أبناء للوطن من دون هوية. أما أقرانهم ذوو الهوية، فلن يستطيعوا، مؤيدين أو معارضين، إغفال حجم هذه القضية وأثرها، وهي قضية ليست بغائبة عن أعمالهم الأدبية. وإن تغاضت المؤسسات الرسمية عن الأدباء الكويتيين البدون فالمنتديات الأهلية تتفاعل معهم كرافد هام للثقافة الكويتية وأبناء للوطن”.

يرى ضيفنا أن الربيع العربي جاء كعامل تعرية للعديد من المثقفين العرب، وأصبحوا بمواقفهم وتصريحاتهم موضع جدل أزلي عن علاقة المثقف بالسلطة والمجتمع. وعن ذلك يقول معلّقاً “في وسط هذه الأحداث الهائلة، والشللية التي يتمتع بها المشهد الثقافي الكويتي حال أغلب النخب في الوطن العربي، أرى من المثقفين الكويتيين من استسلم لإغراءات التحزب والاحتماء بالطائفة، ومن دعم الثورات ضد الاستبداد، ومنهم من آثر السلامة لحسابات شخصية قد تصطدم بالمتغيرات السريعة إن حالت دون ما قد يصرح به. هذا في الشأن العربي، أما في الشأن الكويتي، ورغم انقسام المثقفين الكويتيين بين داعم ومعارض لتظاهرات ‘كرامة وطن’ مثلا، فإنني لم أشهد موقفاً داعماً للعنف الطائفي كتفجير مسجد الصادق، مما عزز مواقف أصحاب الفكر التنويري، الذين آمل أن تكون مواقفهم منسجمة مع جميع الشعوب دون تمييز”.

15