حتى في موته يلامس سعيد عقل الورد

الجمعة 2014/11/28
سعيد عقل كُلّما زاد في العمر عاماً زاد تألُقاً وعطاءً

بيروت- توفي الشاعر اللبناني سعيد عقل صباح الجمعة عن مائة وسنتين. وقالت وكالة الأنباء المحلية "غيب الموت الشاعر والاديب الكبير سعيد عقل" احد ابرز الوجوه الشعرية والادبية في لبنان والعالم العربي، والمولود في مدينة زحلة شرق لبنان في 1912.


سيرته الذاتية


ولد في الرابع من شهر تموز عام 1912 ولد في زحله طفل عبقري هو سعيد عقل. وكانت طفولته مليئة بالوَرْد في ظِلّ أمّ مَلاكٍ وفي كَنَفِ والد كان نَهراً من نخوة ومن كرم. فنشأ على كثير من الحبّ والدلال، آخذاً عن أمُّه الطَّهارة، وعن أبيه روح العطاء. اما عن تاريخ بلدته زحله فاخذ النخوّة والبطولة.

وكان الله قد وهبه إطلالةً فريدةً، ونبوغاً أكيداً، فتمَّت له النعمّة، وَبَرَز متفوقاً في مدرسة الإخوة المريِّـميين في زحله حيث بدأ دراسته حتّى أتمَّ قسماً من المرحلة الثانوية.

وكان يعتزم التخصُّص في الهندسة، إلاّ انَّه وهو في الخامسة عشرة من عمره خَسِرَ والده خَسارة ماليَّة كبيرة، فاضطرَّ الفتى أن ينصرف عن المدرسة ليتحمّل مسؤولية ضخمة وأعباء بيتٍ عريق.
فمارس الصِّحافة والتعليم في زحله. لكنّه استقر في بيروت منذ مطلع الثلاثينَّيات وكَتَبَ بجرأة وصراحة في جرائد "البرق" و"المعرض" و"لسان الحال" و"الجريدة" وفي مجلَّة "الصَّيّاد ". ودرّس في مدرسة الآداب العليا، وفي مدرسة الآداب التابعة للأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وفي دار المعلمين، والجامعة اللبنانيّة.

كما درّس تاريخ الفكر اللُّبناني في جامعة الرُّوح القُدُس وألقى دروساً لاهوتيَّةً في معهد اللاّهوت في مار انطونيوس الأشرفية. كلُّ ذلك بدِقّة وإتقان وترسُّل بادع حتَّى صَحَّ فيه قولُه عن المعلّم: قَرَأتَ كِتابَ الكَوْن سَطراً مَحَا سَطْرا مُعَلّمُ، عُدْ فآكْتبه أجمل ما يُقْرا.

وكان قد قرأ روائع التُّراث العالميّ شعرا ونثراً، فلسفةً وعلماً وفناً ولاهوتاً فغدا طليعة المثقَّفين في هذا الشرق. وتعمّق في اللاّهوت المسيحيّ حتّى اصبحَ فيه مرجعاً. وأخذ عن المسيحيّة في جملة ما اخذ، المحبّة والفرح، والثَّورة أوانَ تقتضي الحال ثورةً تكون وسيلة للسَّلام. ودرس تاريخ الإسلام وفِقْهَهُ.

أعطى سعيد عقل ذاته التطلُّب الطَّامح، والرؤيا الكبيرة والتَّعب على شغل شخصيَّته

وقد أعطى سعيد عقل ذاته التطلُّب الطَّامح، والرؤيا الكبيرة، والتَّعب على شغل شخصيَّته ورَصْفِها مثلما يُريدها أن تكون كما شُغِِف بالنَّزعة المثاليّة والرُّوح الترسّلي وانتدب نفسه شأن الكبار في الدنيا لمهّامَّ جُلّى، فأنشَأ سنة 1962 جائزة شعريّة من ماله الخاص قَدْرُها ألفُ ليرة لبنانية تمنح لأفضل صاحب أثر يزيد لبنان والعالم حُبّاً وجمالاً.


آثاره


في الثَّلاثينيَّات (1935) أطلع سعيد عقل "بنت يَفتاح" المأساة الشَّعرية، وهي أولى مسرحيات لبنان الكلاسيكيّة ذات المستوى، وقد نالت يومذاك جائزة "الجامعة الأدبية" وفي الثَّلاثينيَّات ايضاً انفجرت قصيدته "فخر الدين" المطوَّلة التاريخية الوطنيّة فبرهنت أنَّ الشِعر يقدر ان يؤرّخ ويَظلَّ شعراً مُضيئاً، وأن يسرد قِصّة، متقيّداً بالأصول ويظلّ مؤثراً.

وفي سنة 1937 أصدر "المجدلية" التي بمقدّمتها غَيَّرت وجه الشّعر في الشرق، والمجدلية الشّعر قصّة أعطت جديداً، لقّنت أنّ الشعر سكرة كثيفة الجمال ضوئية، جوهرها موسيقى يتّحد بها الشاعر حميماً مع الكون. وهذا ما سيقوله سعيد عقل نفسه في الستّينيَّات معرّفاً الشعر:


الشعر قَبض على الدنيا، مشعشعةً كما وراء قَميصٍ شعشعت نُجُمُ

فأنت والكونُ تَيَّاهانِ كأس طِلىً دُقّت بكأسٍ وحُلْمٌ لمّه حُلُمُ .


أما في سنة 1944 فقد اطلت مسرحيّة قدموس، عمارةً شعرية ذات مقدمّة نثريّة رائعة، وبدأ سعيد عقل يكون مهندس النفس في الأمّة اللبنانية، انّ قدموس، لون جديد من الملاحم التي تهزّ ضمير الأمّة وتشكّ لبنان على عرش من عروش الشّعر في العالم، وإن يكن سعيد عقل قد سمّاها مأساة .

وفي سنة 1950 أشرقت شمس "رِنْدَلى" وصار الحبّ احلى، غدا يخصّصُ له ديوان كامل، ففي غمرة الشعر التقليدي والغزل الاباحيّ الفاحش ردّ سعيد عقل الى المرأة تاجها، فغدت من بعده تُحبُّ وتُعبَدُ. كَوْكَبَ الغزل النبيل الذي يمكن ان يُقرأ في الكنائس والمساجد. وبعد "رندلى" الشّعر سُمِّيت مئات البنات بهذا الاسم.

صدر لسعيد عقل ديوان شعر باللّغة الفرنسيّة اسمه " الذَّهب قصائد" وهو كتاب جامع يحمل خُلاصة ما توصّل اليه فكر سعيد عقل في أوْجِ نُضجه

كما صدر له في سنة 1954 كُتيّب نثري "مُشكلة النخبّة" الذي يطالب فيه سعيد عقل بإعادة النّظر في كلّ شيء من السياسة الى الفكر والفن. وفي سنة 1960 صدر كتاب "كأس الخمر" وهو يتضمّن مقدّمات وضعها سعيد عقل لكتب منوّعة، وشهد بها لشعراء وناثرين، مبرزاً مواهبهم، مقيّماً انتاجهم، وناهضاً بالنقد الأدبي وبمقدمّات الكتب الى مستوى نادر في النّثر الحديث.

وفي هذه السنة ايضاً حكى لبنان كما يجب ان يحكى فصدر : "لبنان إن حكى" كتاب المجد الذي يعلّم العنفوان والشّهامة، وينشُر امجاد لبنان باسلوب قصصي أخّاذ ومضيء، يترجّح بين التاريخ والاسطورة، ويأسرك بجوّ عامر بالبطولة يستثيرك حتى البكاء.

كما صدر ايضاً كتاب "أجمل منك؟ لا... " حاملاً غزلاً يُصلّى به صلاةً بأسلوب ارتفع الى ذروة المرونة الإنشائية وتنوّع القوافي، كما امتاز بمواكبة التركيب الشعري للموجات النفسيّة في قصائد تشبه السيمفونيّات.

أما في سنة 1961 فقد صدر له كتاب "يارا" وهو شعر حبّ باللغة اللبنانيَّة، قصائد ولا اجمل تجمع بين البساطة ومُناخ الخمائل، تُكوكب البال وتسكُبُ خمراً جديدة في كؤوس من زنابق.

وبعد عشر سنوات أي سنة 1971 صدر كتاب "اجراس الياسمين"، وهو شعر يغني الطبيعة بغرابة فريدة وبحدّة حِسّ وذوق. ثم في سنة 1972 صدر "كتاب الورد" وهو نثر شعري ذو نفحات حب ناعمات من حبيب الى حبيبته، وهمسات حالمات من قلب حلوة "ينغمش" ويمطر ورداً وياسمينا.

وفي سنة 1973 صدر كتاب "قصائد من دفترها" شعر حبّ يغني العذريّة والبراءة بكلام من ضوء القمر على تلال لبنان بين الأرز والصنوبر وقد كستها الثلوج يمثل ثوب عروس.

وفي نفس السنة صدر كتاب "دُلزى" قصائد حُبّ من نار وحنين ناعم إنّه كتاب رائع يُكمل نهج "رندلى" بكَلِم من زَهْرِ الجمر مرّةً، ومن كرِّ الكنار مرَّات.
عقل انتدب نفسه شأن الكبار في الدنيا لمهّامَّ جُلّى

وفي سنة 1974 صدر كتاب "كما الأعمدة" وهو بعلبكّ الشعر وقد سجلت فيه روعة العمار، ودقّة الجمع بين الفخامة والغِوى. ذروة الكلاسيكيّة التي لا تشيخُ، مرصّعةً ببعض اللُقى واللمَع الرمزيّة. وإنَّك لتشهد في هذا الكتاب تخليداً لكل شاعر تكَّم عنه سعيد عقل.

وفي هذه القصائد يتحدّى سعيد عقل نفسه مرّة بعد مرةٍ فيعلو على ذاته بخيال يسابق خياله ويمزج بين التراكيب الفصحية وتراكيب اللغة اللبنانية احياناً. مما يقرِّب شعره من الحياة ويمنحه نكهة جمالية فريدة.

والأعجب في هذا الكتاب أنَّه يرفع المناسبات العاديّة الى سماء البال وأجواء الشعر اللبناني. ومن كتبه كتاب "خماسيَّات" وهو مجموعة أشعار باللغة اللبنانية والحرف اللبناني وقد صدر سنة 1978 .

وكتاب خماسيّات الصبا باللغة الفصحى، وقد صدر سنة 1992. وهذه الخماسيّات باللغتين اللبنانيّة والفُصحى تمثّل ذُروة الكثافة في المضمون، كما تمثّل التفرُّد العالمي في الشّكل الشِعري الذي يَحبِسُ جزءاً من عمر في عبارات لا طويلة ولا قصيرة. وإنّما هي بمعدّل ما يتوقَّعها السَّمع تنتهي فعلاً ويرتاح الشّاعر حين تنفجر.

سنة 1981 صدر لسعيد عقل ديوان شعر باللّغة الفرنسيّة اسمه " الذَّهب قصائد" وهو كتاب جامع يحمل خُلاصة ما توصّل اليه فكر سعيد عقل في أوْجِ نُضجه.

ولعلَّه الكتاب العالميّ الذي سيردّ الى اللغة الفرنسية عظمة تفوق عظمة بول فاليري وما لارمه وسواهما من شعراء فرنسا الكبار. ولسعيد عقل عدّة دواوين مخطوطة وجاهزة للطَّبع، وهو كُلّما زاد في العمر عاماً زاد تألُقاً وعطاءً. ومن أشعاره:


عُنفوانُ


شُغِفتُ أنا بالعُنفُوانِ، خَبَرتُهُ صُنوفاً، وآخاني كما الغَيْمةَ المُزنُ

ولكنَّني للعُنفُوانِ بِمِرقَمٍ تمايَلتُ، قُلتَ الطَّيرُ مال بهِ الغُصنُ

ستَكبُرُ إن تُهزَم لأنَّك في غَدٍ سَتَرجِعُ رُجْعي السَّيفِ طيَّبَهُ السَّنُّ

وما هَمَّ أن مُتنا ولم نَبلُغِ المنُىَ كفى أن مشَينا لا ألتِواءَ، ولا هَدْنُ

غداً في خُطانا يَجْبَهُ الصَّعبَ نَفْسَهُ بَنُونَ هُمُ الأسيافُ، مِقبَضُها نَحْنُ.

1