حتى قلم الحمرة وطلاء الأظفار لهما وجود آخر

الشاعرة التونسية كوثر الدوزي تتأمل المدينة والناس والزمن في مجموعتها الشعرية الأولى.
السبت 2019/01/12
عملية تأملية

تونس (العرب) - تقدم الشاعرة التونسية كوثر الدوزي في مجموعتها الشعرية الأولى “لا أحد يعبر من هناك”، الصادرة أخيرا عن دار ميارة للنشر والتوزيع بتونس، مجموعة من النصوص التي لم نعتدها كثيرا في كتابات الشاعرات، حيث لا نجد صوت الأنثى كما اعتدناه رقيقا خارجا من نظرة عاطفية إلى العالم، بقدر ما نجد شذرات قصيرة، عبارة عن تأملات عميقة إلى الوجود البشري، بل مكوناته.

تتأمل الشاعرة المدينة والناس والزمن، تتأمل العشاق والرجال والمهمشين داخل رحى الحياة اليومية، أولئك العاديين الذين جعلت منهم الحياة اليومية مجرد بشر ميكانيكيي الوجود مسطحي الأفكار والتصورات.

مزج ذكي بين عاطفة شفافة وهشاشة ذات تتساءل
مزج ذكي بين عاطفة شفافة وهشاشة ذات تتساءل

في رحلتها التأملية لا تكف الدوزي عن استنطاق الوجود، نجدها تستنطق الليل مثلا الذي يقول “كنت نهارا/ قبل أن تحرقني الشمس”، وهي ترى صياد “يدفع موجة إلى آخر البحر ولا يلتفت”، دون أن تحجب رؤيتها “الوردة التي مالت وغطت حديقة كاملة”.

إنها نصوص مصهودة بكثافة الشعر وخبرته الوجودية، وهو يتأمل كل الكائنات والعوالم، ويرى فيها ما لا يراه الآخرون، يرى إمكانيات أخرى لوجودها، فحتى قلم الحمرة وطلاء الأظفار لهما وجود آخر وفق الشاعرة، وجود خارج عن المألوف الذي اعتدناه.

إن ما يميز نصوص المجموعة هو مزجها الذكي بين عاطفة شفافة وهشاشة ذات تتساءل، وبقوة ترفع مساءلتها للوجود وتعيد ترتيبه من جديد، تعطي أدوارا مختلفة لكل شيء، كما تكتفي أحيانا باجتزاء لقطة، تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها في عمقها أشبه بالمشاهدة التي وقع تشذيبها من كل الزوائد، كانت الشاعرة تفصل كل موجود عن محيطه، وتعيد وضعه في إطار يشبه “الزوم”، تقربه إليها وإلى القراء وتتركه ناقصا عديد العناصر، مخلّصة إياه من الزوائد، وهي عملية تأملية بامتياز، تتناص فيها مع قصيدة الهايكو اليابانية في روحها لا في شكلها.

14