حتى لا تتحول الأعياد إلى مواسم لخيبات الأمل

الأربعاء 2013/12/18
التوتر النفسي المصاحب لموسم الأعياد من شأنه أن يفسد فرحة العيد

يمثل موسم الأعياد بالنسبة إلى البعض، فرصة ذهبية لقضاء مزيد من الأوقات السعيدة مع الأهل والأصدقاء، حيث تبدو هذه الأوقات الجميلة مكافأة عن الجهود التي تبذل للتحضير لهذا الموسم. إلا أن الأمر لا يبدو كذلك للآخرين، الذين يعيشون حالات متفاقمة من القلق والتوتر النفسي ويحملون أنفسهم جبالا من المسؤوليات الشاقة، بحيث يحل العيد عليهم وهم في أسوأ حالاتهم وفي قمة توترهم الانفعالي.

يرى بعض الخبراء، أن الفرد يضطر في موسم الأعياد إلى أن يتخلى مؤقتا عن روتينه اليومي المعتاد خلال أيام السنة، خاصة إذا كانت الأعياد مصحوبة بالسفر إلى مكان آخر لقضاء العيد، كما أنه معرض للوقوع ضحية التوقعات المبالغ فيها.. حيث يرى البعض في موسم الأعياد فرصة سحرية لتحقيق الأحلام المؤجلة جميعها وفي وقت واحد، كما يعولون كثيرا عليها لتمتين الصلات العائلية أو لإصلاح ما فسد منها.

وكلما كانت التوقعات عالية وغير واقعية، كلما كانت الفرصة سانحة لزيادة التوتر المتأتي من الإحباط الذي تولده خيبة الأمل عند الإخفاق في تحقيق الصورة المرسومة لهذه التوقعات ذهنيا.

من ناحية أخرى، تمثل الضغوط المادية بسبب التسوق المبالغ فيه سببا كافيا لرفع مستوى القلق والتوتر النفسي، بسبب تعرض ميزانية الأسرة إلى ضربة قاصمة.

ويرى الدكتور بيل كناوز وهو متخصص في علم النفس الإكلينيكي وصاحب عديد من المؤلفات في النطاق العلاجي الذي يتعلق بموضوعات مثل التوتر والقلق والاكتئاب، بأن التجار والمعلنين هم سادة هذا الموسم؛ حيث يعملون بمهارة على إقناع الجمهور بطرق مموهة وكأن العيد يعني مزيدا من التسوق.. وهم يظهرون أناسا مبتسمين يرتدون حلة العيد إلى جانب بضائع فاخرة أنتجت خصيصا لتكون هدية مناسبة لأفراد الأسرة.

تمثل الضغوط المادية بسبب التسوق المبالغ فيه سببا كافيا لرفع مستوى القلق والتوتر النفسي بسبب تعرض ميزانية الأسرة إلى ضربة قاصمة

هناك العديد من الموهوبين في مجال التسويق، في استطاعتهم إقناع المستهلك بأن عدم اقتنائه لسلعة معينة قد يحمله خسارة نفسية كبيرة خاصة في عيون أفراد أسرته.

ويشدد كناوز على أن الأمر منوط بعهدة الناس، بحيث لا ينبغي الانسياق إلى سحر الإعلانات التجارية والتحلي بالشجاعة الكافية في اختيار ما يناسب من احتياجات أساسية فقط. في موسم الأعياد، الرجال قد يكونون أكثر الضحايا حيث يتحملون تبعات حمى التسوق ماديا ومعنويا. وهذه فرصة أيضا لتفاقم حالات الانفصال والطلاق وربما يصل الأمر إلى حوادث موت وانتحار.

آخر ضحايا موسم الأعياد، شاب من الصين قضى منتحرا وذلك بالقفز من الطابق العلوي في مركز تجاري حيث ارتطم بالطابق الأرضي مفارقا الحياة. وكان الشاب قرر الإقدام على الانتحار وإنهاء حياته، بعد أن رفض الخضوع إلى إرادة صديقته التي أمضت أكثر من 5 ساعات في التسوق من دون توقف.

بحسب شهود عيان، كان الشاب قد أعلن عن رغبته مرارا للعودة إلى المنزل بعد أن أهكه التعب ودوّخته الأرقام التصاعدية في فاتورة الشراء، لكن شريكته أصرت على زيارة محل آخر للأحذية واتهمته بالبخل ومحاولة إفساد فرحتها بالعيد.

ولأن البحث عن الكمال هو المفتاح السحري للدخول إلى عالم التوتر والضغط النفسي، ينصح خبراء في العلاقات الإنسانية بالابتعاد عن فكرة تحقيق الكمال في موسم الأعياد، لأن التوتر النفسي المصاحب له من شأنه أن يفسد فرحة العيد ويحيل إلى خليط من مشاعر الخوف والترقب والانفعالات المتناقضة خوفا من الفشل في تحقيق رضا الآخرين. هذه المشاعر قد تؤدي إلى سلسلة من الإخفاقات السلوكية؛ كالظهور في حالة ارتباك أو إفراط في تناول الطعام كوسيلة لتخلص من القلق الذي بداخلنا.. وهذا مأزق كبير قد يقع فيه الأفراد، الذين يعتقدون بأن موسم الأعياد هو مناسبة لكسر الروتين والتمتع بتناول أكبر قدر من المأكولات دون حساب للنتائج.

التجار والمعلنون هم سادة هذا الموسم حيث يعملون بمهارة على إقناع الجمهور بطرق مموهة بأن العيد يعني مزيدا من التسوق

في مقالها الذي نشر مؤخرا في مجلة علم النفس الأميركية، تقول الدكتورة غيل ميلسون وهي باحثة متخصصة في التنمية البشرية والعلاقات الأسرية في جامعة بوردو: “هذا هو موسم الأعياد وهو أيضا موسم التوتر الانفعالي والغضب والجنون المتأتي من حمى التسوق. بالطبع، نسعى جميعا إلى الحصول على أقصى ما يمكن أن يمنحه لنا العيد من فرحة وبطاقات ملونة وهدايا مفرحة لأطفالنا، إلا أن هذه الرغبة في بلوغ الكمال هي في حقيقتها مصدر الضيق والتوتر الانفعالي.

إلا أن الأمر لا يبدو كذلك من زاويته الأخرى، حيث يمثل موسم الأعياد فرصة ذهبية لتمتين الروابط الأسرية والعلاقات بين الأقارب والأصدقاء.

ولكي ينجح الأمر هذه المرة، تنصح ميلسون المقبلين على موسم الأعياد ممن يعانون من نوبات من التوتر والقلق بسبب ضيق الوقت ومتطلبات التسوق وتجهيز المنزل وتزيينه، بالتوجه إلى الطبيعة حيث تراها وصفة سحرية لتجاوز هذه المحنة الموسمية؛ فبعض المشاهد الطبيعية التي توحي بالخضرة والنضارة، مثل جولة قصيرة بين الحين والآخر في الغابة أو متنزه الحي كافية لتهدئة الانفعالات، وحتى في موسم الشتاء فإن الفكرة قابلة للتطبيق، حيث تبدو فكرة التجول وسط الثلج والاستمتاع بملمسه مخرجا آخر لكسر الروتين والهروب من الضغوطات داخل المنزل.

عقود من البحث العلمي، أثبتت الدور المهم الذي تلعبه الطبيعة في التداوي من الأمراض النفسية وحتى الجسدية، حتى أن المرضى الذين يقضون فترة نقاهتهم في غرف مستشفيات تطل على مشاهد طبيعية، كانوا يتماثلون للشفاء بصورة أسرع من غيرهم، فمشاهد الخضرة الخلابة وزرقة السماء الصافية التي توحي بالنقاء والكمال، تعمل كمهدئ لتسكين الانفعالات وتخفيف التوتر النفسي.

21