حتى لا تكون الموصل بعد تحريرها ميدانا لثأر أعمى

الأربعاء 2016/10/12

أخطر النتائج التي تمخض عنها احتلال تنظيم داعش لمدينة الموصل هي مشاعر الكراهية التي تعبأت بها نفوس الضحايا من الأقليات تجاه العرب السنة الذين يشكلون أغلبية سكان الموصل.

فما ارتكبه التنظيم من جريمة سبي الإيزيديات وتهجير المسيحيين والشَّبك، إضافة إلى استيلائه على بيوتهم وأملاكهم وما كان لهذه الأحداث من نتائج مأساوية وما حملته من أبعاد وتبعات على السلم المجتمعي، لم تعد بالتالي مسؤولية هذه الجرائم في نظر الضحايا من الأقليات يتحملها تنظيم داعش لوحده فقط، بل أصبح غالبيتهم ينظرون إلى العرب السنّة على أنهم يشاركون التنظيم هذه المسؤولية بكل تبعاتها الجنائية والأخلاقية، أولا لأنهم يتقاسمون معه الانتماء إلى دين ومذهب واحد، وثانيا لأنهم لم يواجهوه بالسلاح عندما دخل إلى المدينة واستولى عليها وربما فرحوا بدخوله، وثالثا لأن عددا من أبنائهم قد انتمى إلى التنظيم.

كل هذه الحجج تبدو منطقية للوهلة الأولى خاصة لمن لا يعرف حقيقة ما جرى ساعة دخول تنظيم داعش إلى الموصل وما شهدته شوارع المدينة من هروب مخز لأربع فرق عسكرية دون أن تتحمل مسؤوليتها في القتال، وسيقتنع بها تماما ويصطف إلى جانب الأصوات العالية المتشنجة التي تعلن، صراحة، أنّ على العرب السنة تحمل مسؤولية ما ارتكبه تنظيم داعش من جرائم بحق الأقليات، دون حساب لكل الملابسات التي سبقت عملية سقوط المدينة والتي تتحملها الحكومة العراقية وأجهزتها العسكرية والأمنية بما كانت تقترفه من ممارسات طائفية بحق العرب السنة تحديدا دون غيرهم من مكونات المدينة.

من تابع الأحداث على المستوى المجتمعي منذ سقوط الموصل في 10 يونيو 2014 يدرك جيدا أن ما أشرنا إليه من واقع بات يهيمن على تفاصيل الحياة اليومية وترك فيها تقاطعات وحواجز ومصدات سميكة بين العرب السنة والحكومة العراقية من جهة، وبين العرب السنة وبقية أقليات المدينة من الجهة الأخرى.

هذا الشرخ الكبير في العلاقات بين هذه الأطراف كشف عن نفسه بشكل واضح في مساحات مختلفة من قنوات التعبير والبوح، وتأتي وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك وتويتر، في مقدمتها؛ فقد أمست صفحات هذين الموقعين ميدانا ساخنا تحتدم فيه المشاعر العدائية في ما بين المتابعين خاصة تلك الموجهة ضد العرب السنة بشكل لا يبعث على الاطمئنان إزاء مستقبل المدينة بعد تحريرها من سلطة داعش، ومجموع ما يكتبه المعلقون والمغردون يشير بأصابع الاتهام إليهم باعتبارهم شركاء لتنظيم داعش في الفكر والمذهب والجرائم التي ارتكبها بحق الأقليات.

ما يدعو إلى التساؤل أن العراق قد شهد العديد من المؤتمرات والفعاليات التي رعتها منظمات مجتمع مدني ومؤسسات حكومية لمواجهة تداعيات سقوط الموصل، إلاّ أن جميعها لم يأخذ بعين الاعتبار التوقف أمام ما أصاب العلاقة من ضرر خطير بين الأقليات وسكان الموصل من العرب السنة، بينما في مقابل ذلك نوقشت قضايا كثيرة لا يمكن التقليل من أهميتها منها ما يتعلق بالأضرار المادية التي لحقت بالأقليات، أو ما يتعلق بضمان حقوق هذه الأقليات وحمايتها بعد تحرير المدينة وعدم تكرار ما حدث بحقها من تجاوزات وانتهاكات وجرائم، وموضوعات أخرى تتعلق بالعمل على استحداث بنية إدارية جديدة في المناطق التي تتواجد فيها الأقليات بما يمنحها مساحة واسعة من الاستقلال في إدارة شؤونها وحياتها.

كل هذه القضايا التي استحوذت على اهتمام الحكومة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني خلال العامين الماضيين على الرغم من أهميتها الكبيرة وضرورة تناولها في مؤتمرات وندوات إلا أنها لن تكتسب أهميتها وجدواها إذا لم يتم العمل أولا على إعادة تصحيح ما طرأ على العلاقة من تشوهات بشعة بين جميع سكان الموصل نتيجة عملية الخلط العشوائي بين العرب السنة وتنظيم إرهابي مسلح لا يمكن إلاّ أن يكون شاذاً وطارئاً على تاريخ العلاقات الإنسانية بين مكونات المدينة وعلى نمط الحياة فيها، والتي اتسمت بالمحافظة والاستقرار والميل إلى التعايش، ولعل استمرار هذا التنوع الديني والقومي فيها طيلة العقود والعهود الماضية دون بقية المحافظات خير دليل على ذلك.

لن يكون للقرارات التي تخرج بها تلك المؤتمرات أي حضور مؤثر على الواقع إن لم تسبقها رؤية سليمة تتسم بالعمق وهي تفكر وتبحث في كل السبل الممكنة لإيجاد أرضية صحيحة تقف عليها جميع مكونات المدنية بعيدا عن منطق الثأر، وليس خافيا على أي مراقب لما يجري أن القوى السياسية والأحزاب كانت، ومازالت، حريصة على أن تلعب على وتر الكراهية والثأر لأهداف وغايات حزبية وانتخابية خاصة بها.

هذا المناخ المشحون بكل ما يكرسه من مواقف تطفح منها مشاعر العداء والثأر من العرب السنة وليس من تنظيم داعش، سيوفر أمام المتطرفين من كلا الطرفين كل العوامل التي تديم الصراع بينهما، وتدفع به بالتالي إلى مستويات خطيرة ربما سيكون من الصعب السيطرة عليها وتقدير فداحتها، وهذا ما حرص على إدامته أمراء الحروب من زعماء الطوائف بكل مسمياتهم طيلة العامين الماضيين، أولا لأنهم لا يملكون القدرة على إحداث التغيير المنشود في أوضاع الطوائف والأقليات التي ينتمون إليها ويدعون تمثيلها والدفاع عنها بمن فيهم زعماء وساسة العرب السنة، وثانيا لأنهم لا يريدون أن يحدثوا هذا التغيير، ومَرَدُّ ذلك يعود إلى طبيعة العلاقة الكاثوليكية التي تجمع ما بين المؤسستين الدينية والسياسية في النظام الإسلاموي القائم في العراق، والذي لم يتوان في أن يوظف منظومته الفكرية والإدارية لأجل أن يكون المواطن وقودا لنيران مصالحه الذاتية الضيقة.

أدرك جيدا أن قضية الموصل معقدة جدا وهي لا ترتبط بمسألة تحريرها بقدر ما يتعلق الأمر بمستقبل العلاقة التاريخية ما بين مكوناتها بعد أن أصيبت هذه العلاقة بضرر كبير، في الوقت نفسه لن يكون مستحيلا ترميم هذه العلاقة إن توفرت النية الصادقة والإرادة القوية، إلاّ أن العقدة تكمن في أن هذه المدينة باتت الميدان الأكبر وربما الأخير الذي تتصارع فيه وعليه القوى الإقليمية، وكل واحدة منها تسعى لأن تقتطع منه أكبر مساحة ممكنة من النفوذ والهيمنة على حساب وجود ومستقبل مكوناتها.

والأخطر في سياق هذا الصراع وبحجة الدفاع عن حقوق الأقليات أن يتم الدفع بها إلى محرقة ثأر أعمى سيأخذ منها كل شيء ولن يعطيها في المقابل أي شيء وسيكون تنظيم داعش هو الرابح الوحيد.

كاتب عراقي

9