حتى لا يطير "الفستان"

السبت 2014/06/14

غضبت الملكة الموغلة في القدم من الأميرة الرقيقة، بسبب فساتينها إلى تتطوح شمالاً ويميناً في كل زيارة تقضيها السيدة الشابة لتفقد أحوال الرعية بالنيابة عن الملكة، التي لم تعد ساقاها تتحملان مزيدا من الزيارات والمجاملات والبروتوكولات. لم يكن خطأً متعمداً، فالأميرة الشابة لا تعرف التصنع وليست بحاجة إلى لفت الأنظار بحركات استعراضية كما هو الحال مع بعض نجمات هوليوود، حيث تميل دور الأزياء العالمية هذه الأيام إلى ترشيد الاستهلاك في مساحات الأقمشة دعماً لانهيار الاقتصاد العالمي، لتظهر النجمات اللاتي تطأ أقدامهن السجادة الحمراء أكثر (شفافية) وتأثيراً.

عينت الملكة موظفة برتبة ملاحظ، للتأكد من عدم طيران فساتين الأميرة في بعض المناسبات التي تترصدها فيها عدسات (الباباراتزي) الشريرة. كما تم تنسيق مواعيد البروتوكولات والزيارات الملكية، لتتم في طقس جوي خال من العواصف والرياح الشمالية الغربية المشاكسة.

في مكان آخر من المدينة الممتلئة بمخالب (الباباراتزي)، كانت صورة الأميرة ذاتها ما برحت مخيلة البائعة الشابة، وهي تشرف على تسويق مستحضرات التجميل في المتجر الكبير، حين لمحتني أدقق النظر في إحدى العبوات الأنيقة بفضول أثار ريبتها وربما فرحتها للنجاح في اصطياد “عصفور” جديد، لتضمه إلى قفص الطيور المغردة في السرب الذي يلاحق آخر صيحات الموضة التجميلية، ومنها فصيل محاربة التجاعيد.

ابتسمت الموظفة الشابة وهي تحاول إدارة حديثها الاستهلاكي مع الزائرة الجديدة، في حين، لم يكن فضولي منصباً على معرفة نوع المستحضر أو علامته التجارية أو مدى شراسته في محاربة التجاعيد، فقد لفت نظري لون الغلاف وتصميمه الذي تخيلته وكأنه قطعة حلوى، فاستغربت وجوده وسط هذه المجموعة!

مضت الدقائق دون إظهار أي نوايا شرائية، وهذا كان كفيلاً بإضافة خمس سنوات إلى سني الحقيقية، استخدمتها البائعة الشابة كسلاح مباغت لمهاجمة كبريائي وحثي على اقتناء مستحضر الشيخوخة بأسرع ما يمكن وقبل فوات الأوان، ولكن من دون جدوى. وبعد أن استنفدت جميع أسلحتها التسويقية، اعترفت أخيراً بأن هذا هو المستحضر المفضل للأميرة الطائرة!

إذا، فالأميرة الشابة تخاف من زحف السنوات وهي لما تزل في عز شبابها، ربما بسبب الضغوط التي تمارسها عليها صاحبة الجلالة الجدة وصاحبة الجلالة الصحافة وصاحبة الجلالة البائعة في متجر التجميل. فهي تخاف أن تتكلم أو تمشي أو تتنفس أو تعطس أو تضم طفلها، خشية العيون والعدسات المتلصصة، حيث تبدو لها إمارات الملك والسلطان والمجد والشهرة أشبه بمجسات زواحف دبقة ومزعجة. ولأن هذه الإحداثيات اليومية تسهّل الصعود السريع إلى الشيخوخة، فإن الأميرة المسكينة تستبق الزمن وتشحذ سكاكين الحيطة والحذر منذ الآن.

لا يبدو بأن الناس العاديين تقلقهم كثيراً زواحف الشيخوخة، بعد أن زحفت على ملامحهم مسبقاً الحروب والديون والإحباطات المتكررة، فسدت منافد الروح والبشرة المقاومة لأي مستحضر تجميلي مهما كانت قوته ومتانته.

الحرب ضد الشيخوخة تحتاج إلى ترسانة مختلفة من الأسلحة، منها اللامبالاة والتجاهل والتظاهر بالغرق في مستنقعات الحياة اليومية، والغريق، طبعاً، لا يخشى البلل.

وعذرا للرقيق إحسان عبد القدوس، اقتباس عنوان روايته، فللشيخوخة أحكام.

20