حتى لا يقع اختراق إيراني للمنظومة الخليجية

الجمعة 2013/12/13

من التطورات اللافتة التي سبقت انعقاد القمة الخليجية الأخيرة في الكويت، تلك الدعوات التي أطلقتها شخصيات سعودية وقطرية وخليجية بضرورة ضم مجلس التعاون إلى المفاوضات الإيرانية- الغربية بخصوص الملف النووي الإيراني، وذلك لاعتبارات الجوار الجغرافي الذي يجعل دولا خليجية في مقدم الأطراف التي تتأثر بالبرنامج النووي للجارة على الخليج. وبينما رحّبت أطراف غربية في مقدمتها وزير الخارجية البريطانية الكسندر هيغ بالمقترح، فقد سارعت الخارجية الإيرانية لرفض المقترح على لسان الناطقة مرضية أفخم، التي اعتبرت الاقتراح «لا مكان له»!

في ظروف طبيعية يسودها حسن الجوار والتعاون المشترك والاحترام المتبادل وسلامة النوايا، كان على إيران نفسها تشجيع دول الخليج للانضمام إلى هذه المفاوضات باعتبار هذه الدول هي الأقرب لها والأكثر تأثرا بمشاريعها النووية. لكن هذه الظروف ليست قائمة بالصورة المرجوّة، والدليل على ذلك أن طهران تبذل كل ما تملك لإبعاد جيرانها الأقربين عن مسألة ذات انعكاس مباشر عليهم، فضلا ًعن النزعة التدخلية في شؤون الغير.

يحدث ذلك فيما لا يكف مسؤولون إيرانيون عن إطلاق الدعوات لجيرانهم للتعاون الإقليمي المشترك، وآخرها الدعوات التي أطلقها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، خلال زياراته لثلاث دول خليجية هي دولة الإمارات وسلطنة عمان وقطر. والتعاون حسب المفهوم الإيراني يقتضي إقصاء دول الخليج عن الاهتمام بمنشآت نووية تقع بجوار بعض دولهم.

أبعد من ذلك فإن الوزير ظريف دعا لتكتل إقليمي يضم دول المجلس الست مع إيران والعراق وذلك في مقال له نشرته «الشرق الأوسط» اللندنية يوم 21 نوفمبر الماضي. وهو اقتراح قديم جديد، يراد به تسويغ عدم التفاهم الإيراني مع مجلس التعاون، بل واستكثار طهران أن يكون هناك تكتل إقليمي خاص بدول الخليج. يشار في هذا الصدد إلى وصف سيد حسين موسافيان، الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في المجلس الأعلى للأمن الوطني في إيران والمقرّب من الرئيس حسن روحاني مجلس التعاون بأنه «نظام فاشل»، مشيراً إلى أن إيران اقترحت عام 1990 إنشاء تعاون إقليمي، وقال سوفيان إنه حان الوقت لإنشاء «جهاز تعاون أمني إقليمي يضم إيران والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي». (صحف الإثنين 9 ديسمبر). وهكذا حسب السيد موسافيان فإن مجلس التعاون «فاشل» ويجب دفنه، من أجل تحقيق اختراق أمني وتصدّر إيراني للمنطقة.

علاوة على ما تقدم يستغرب المرء كيف يمكن القفز عن مشكلات لا تريد طهران حلا لها، إلى الشروع في بناء ما يسميه تكتلاً إقليميا، وهو في واقع الأمر صيغة لتحقيق اختراق إيراني للمنظومة الخليجية، يشارك به عراق نوري المالكي الوثيق الصلة بطهران، والمدعو للانضمام إلى تكتل ظريف وموسافيان. كان على دول الخليج منذ البداية ألاّ تنأى بنفسها عن مجرى التفاوض الإيراني الغربي. علما وأن هذه الدول لن تعترض على أية استعمالات سلمية لمنشآت نووية، وبحيث تكون هذه المنشآت مقتصرة على تحقيق أغراض سلمية، وغير قابلة للتطوير إلى استخدامات عسكرية أو شبه عسكرية. ورغم أن الانضمام للمفاوضات ليس رهنا بإرادة ذاتية فحسب، بل بموافقة الأطراف المتفاوضة، إلا أن الإعراب الخليجي عن هذا التوجه مفيد لجهة إثبات الحق في الحصول على ضمانات وتطمينات بأن مشاريع وبرامج الدول الجارة لا تُلحق ضرراً بجيرانها، وهذا هو على أية حال ما تمليه اعتبارات الأمن الإقليمي. أما مسارعة الخارجية الإيرانية لرفض الاقتراح، فلا يعدو أن يكون سوى تكريس لسياسة سلبية وفوقية ما فتئت طهران تنتهجها ضد جاراتها. ولو كان ليس لدى طهران ما تخفيه حقاً في هذا الملف، لكانت رحّبت بانضمام جيرانها إلى المفاوضات بل ووضعتهم منذ البداية في صورة مشاريعها وبرامجها.

والآن إذا كان هناك من إيران جديدة، يعبر عنها الاتفاق الإيراني بخصوص الملف النووي مع الدول الكبرى، فإن مجلس التعاون الخليجي في قمته الأخيرة بالكويت قد رحب بها، كما أعرب عن الارتياح للتغيير السياسي في إيران والمتجسد برئاسة حسن روحاني، آملا في بناء علاقات حسن الجوار، إضافة إلى ما عبرت عنه القمة الخليجية من القلق بشأن الإعلان عن خطط لبناء المزيد من المفاعلات النووية على ضفاف الخليج من قبل إيران. أما إيران «القديمة» والمستمرة التي احتلت جزر الإمارات الثلاث ورفضت على الدوام حتى التفاوض بشأنها مع دولة الإمارات، فهي مدعوة لتصحيح الخطأ الجسيم مع «اعتبار أي قرارات أو ممارسات أو أعمال تقوم بها على الجزر باطلة» كما نص على ذلك البيان الختامي لقمة الكويت الخليجية.

منذ فوز حسن روحاني تزايدت التوقعات بأن تشهد العلاقات الإيرانية- الخليجية مرحلة من التحسن. وتعززت هذه التوقعات بعد اتفاق جنيف النووي الذي لاقى ترحيبا حذرا من دول مجلس التعاون مع قلق شعبي. والحال أن إيران تزخر بمراكز القوى ومن أهمها الحرس الثوري الذي يلعب دورا سياسيا، فيما سلطات رئاسة الجمهورية محدودة، ومع ذلك استطاع روحاني حتى الآن أن يشق طريقه، وهو ما يلقى ترحيبا في العالم العربي. وما يُنتظر معه اتباع سياسة جديدة من طرف طهران، تتوقف فيها عن النزعة التدخلية والعبث بالنسيج الاجتماعي، والتسلل السياسي إلى دول الجوار وغير دول الجوار(لبنان واليمن وفلسطين على سبيل المثال) وهي سياسات لا تختلف في جوهرها ومآلاتها عن النزعة السابقة التي كان عنوانها «تصدير الثورة»، فقد تم استبدال العنوان القديم بعنوان جديد هو تعزيز النفوذ السياسي والمطامح القومية الإيرانية الخارجية تحت غطاء دعائي يتحدث عن نصرة القدس والوقوف في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وذلك لتحقيق الهدف لقديم نفسه وهو المساس بسيادة الدول وأمن المجتمعات، وتأليب المكونات الاجتماعية ضد بعضها بعضا والبحث عن مواطئ قدم لدى تنظيمات محلية هنا وهناك، كما يحدث في العراق ولبنان، والتحالف مع النظام في دمشق في حربه ضد الأغلبية الساحقة من شعبه.

من حق دول الخليج بل من واجبها وفي الحد الأدنى أن تواكب المستجدات في الملف النووي الإيراني، وكذلك التحضيرات التي ستجري لعقد جولة جديدة من التفاوض الغربي الإيراني، مع انقضاء فترة الشهور الستة التي يستغرقها تنفيذ اتفاق جنيف، وذلك في ظل امتناع طهران عن إشاعة أجواء من الثقة وإصرارها على الغموض غير البناء في هذا الملف وسواه من ملفات.


كاتب أردني

8