حتى ننقذ مستقبل تركيا

السلطة الحاكمة ليست متيقنة من الفوز في الانتخابات رغم كل ما تمارسه من ضغوط، وما تعانيه المعارضة من ظروف صعبة. ومن ناحية أخرى تبشر كافة الدلائل، بغض النظر عن نتائج الانتخابات، بقرب انقشاع الظلام عن تركيا.
السبت 2018/06/23
أردوغان سيحافظ على نظامه حتى لو كان ذلك عن طريق العنف

يبدو أن عاصفة الانتخابات، التي تتعرض لها تركيا منذ الانتخابات المحلية في عام 2014، ستهدأ في المستقبل القريب مع توجّه الناخبين من جديد إلى صناديق الاقتراع بعد عدة أيام. وفي الربع الأول من عام 2019 سيتوجه الناخبون، مرة أخرى، إلى صناديق الاقتراع من أجل انتخابات محلية أخرى. ومع هذا، فليس من المستبعد أن نشهد في المستقبل القريب المزيد من الانتخابات.

تتزامن الانتخابات مع وجود عدد كبير من المشكلات؛ بداية من تحقيق السلم المجتمعي إلى السياسة الخارجية، ومن مشكلات التعليم إلى المشكلات الاقتصادية، وغيرها من المشكلات التي أرجأنا الحديث عن إيجاد حل لها إلى فترات الانتخابات، حتى صارت تمثل عبئا ثقيلا لا نستطيع تحمّله.

وعلى صعيد الحملات الانتخابية، كان رفع حالة الطوارئ التي عمَّقت، هي الأخرى، من حجم مشكلاتنا، سواء من ناحية إعاقة تحقيق السلم المجتمعي، أو من ناحية المشكلات الاقتصادية، واحدا من سلة الوعود التي قدمتها الحكومة الحالية. وهي نفسها التي أصرّت من قبل على خوض الانتخابات، في ظل فرض حالة الطوارئ، ومن ثم قامت بتمديد هذا الوضع للمرة السابعة.

لم تكن إجراءات إعلان فرض حالة الطوارئ منطقية، وذلك بالنظر إلى أصول إدارة البلاد في الأوضاع الاستثنائية في العالم، خاصة وأنها تمّت بشكل فيه مخالفة صريحة للدستور ولمعايير الديمقراطية المتعارف عليها على الصعيد العالمي، وكذلك بعد أن جعلت منها الحكومة أمرا واقعا.

الانتخابات في ديمقراطيات العالم، هي الآليات التي يتم بموجبها اختبار مسؤولية السلطة السياسية الحاكمة، والتي توفر للناخبين فرصة لتغيير السلطة الحاكمة في الوقت الراهن. لهذا السبب، لا بد من توفير بيئة حرة آمنة وعادلة، حتى تجري على أفضل وجه. وتقع مسؤوليات توفير هذه العناصر على عاتق السلطة الحاكمة في المقام الأول. ومع هذا فقد فقدت السلطة الحاكمة في بلدنا اليوم القدرة على التنبؤ بالأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتعرض لها تركيا.

وللسبب نفسه صارت الانتخابات موضوعا للنقاش بين المواطنين، لقد صار هناك الكثير من الأفكار والهواجس التي تدور في ذهن كل منا؛ من قبيل؛ هل سيحصون بشكل سليم الأصوات التي سندلي بها في صناديق الاقتراع أم لا؟ هل هناك إمكانية لتغيير السلطة الحاكمة عن طريق الانتخابات أم لا؟

نعلم جميعا أن الرئيس رجب طيب أردوغان، بوصفه أكبر رجال حزب العدالة والتنمية، سيسعى إلى الحفاظ على النظام الذي طالما حلم بتحقيقه حتى لو كان ذلك عن طريق اللجوء إلى العنف.

وعلى الرغم من أن الكثير من الكوادر السياسية في هذا البلد لا يدركون أن مثل هذه الضغوط، التي تفتقد إلى الشرعية الديمقراطية في الأساس، ستجر البلاد إلى الكثير من الأزمات المتلاحقة، إلا أنه يتعين على المواطنين أن ينتبهوا كثيرا إلى هذا الأمر، وألا ينحوا نحوهم.

ربما كانت انتخابات عام 1946 أكثر الانتخابات التي شغلت بال الناخبين؛ لأنها جرت على أساس التصويت الحر ونظام الإحصاء السري، إذا استثنينا الإشراف القضائي. وما حدث أننا نجحنا إلى حد بعيد، منذ عام 1946 وحتى نوفمبر عام 2015، في توفير المناخ المناسب لانتخابات آمنة وديمقراطية.

أعتقد أن معايير الديمقراطية التركية هي أكثر الموضوعات جدلا على الساحة السياسية في تركيا، في الوقت الذي لا يتحدث فيه أي من المواطنين عن شرعية الانتخابات بنفس القدر من الاهتمام. والأدهى من هذا، أن أحدا لم يكن ليشك في أن السلطة الحاكمة من الممكن تغييرها عن طريق الانتخابات، وكانت انتخابات السابع من يونيو 2015 هي المرة الأولى التي ولدت فيها فكرة مخالفة لهذا. لقد كان من الممكن حتى ذلك التاريخ، أن تخسر الأحزاب التي حكمت تركيا في الانتخابات، وأن تنضم إلى صفوف المعارضة.

نعلم جميعا أن كلمة ديمقراطية، بالإضافة إلى مفهومها الآخر الخاص بعدم تقييد الحقوق والحريات، وتساوي جميع الأفراد أمام القانون، تعني إمكانية تغيير الأنظمة الحاكمة عن طريق الانتخاب الحر المباشر.

وبعد 72 عاما، صرنا من سيء إلى أسوأ، حتى صرنا لا نجد أحدا يجزم بأن الانتخابات ستكون صادقة وحرة وشفافة وعادلة.

لقد غيّرت السلطة الحاكمة كافة قوانين الانتخابات التي أمكنها تغييرها، وحولت جميعها لخدمتها، وهيّأت الظروف بالنسبة للبنود التي لم تستطع تغييرها كي تكون في صالحها أيضا؛ ببث الخوف في نفوس المعارضة، وصار القضاء والشرطة والجيش وجهاز الاستخبارات ورؤساء لجان الانتخابات وميزانية الدولة في يد السلطة الحاكمة.

تبقى الديمقراطية الإجرائية هي الأداة الأخيرة المتاحة أمامنا في مواجهة أولئك الذين يريدون استخدام القوة لضمان الاستمرار لحكومتهم

سنتوجه في ظل ظروف كتلك إلى صناديق الاقتراع من أجل الإدلاء بأصواتنا في انتخابات ستحدد نتائجها مستقبل هذه الأمة. سنخوض الانتخابات دون وجود دليل واحد ملموس على أن مؤسسات الدولة ستلتزم بغالبية المبادئ والأسس المتعارف عليها على المستوى العالمي، وأنها ستوفر بيئة آمنة للانتخابات.

لهذا السبب، تبقى الديمقراطية الإجرائية هي الأداة الأخيرة المتاحة أمامنا في مواجهة أولئك الذين يريدون استخدام القوة لضمان الاستمرار لحكومتهم.

يمكننا أن نفتح الباب على مصراعيه أمام الديمقراطية الإجرائية، التي ستمهد الطريق أمام تحقيق السلام الذي طال شوقنا إليه، ولتحقيق التعدّدية والحرية والمساواة في المواطنة وإعلاء كلمة القضاء وتطبيق العدالة.

هنالك فقط يمكننا أن نستغل قوة المجتمع المدني، لأن الديمقراطية لن تتحقق في شكلها المثالي إلا من خلال تطبيقها في شكل مثالي يراعي حق كل إنسان. ولا سبيل لتحقيق هذا أيضا إلا من خلال نظام قانوني ديمقراطي تعددي؛ نستطيع من خلاله أن نعمل على تغيير السلطة عن طريق انتخابات حرة نزيهة آمنة.

لهذا السبب، دعت مبادرة المجتمع المدني الأسبوع الماضي إلى “إجراء انتخابات ديمقراطية في 24 يونيو، وأن يتوجه الناخبون جميعا، بوصفهم مواطنين متساوين أمام القانون، إلى صناديق الاقتراع، وألا يتم حرمان أي شخص من حق التمثيل كما يكفله القانون”.

ولأن هذه الانتخابات هي الخيار الوحيد الذي سيحدد من سيحكم هذا البلد، كما سيحدد النظام الذي سيحكم به الطرف الفائز، سنجد أنفسنا أمام خيارين؛ إما أن نفتح الباب لإعادة تمهيد الأرضية الديمقراطية، وإما أن يتم ترسيخ الحكم الفردي الاستبدادي ولكن بثوب دستوري.

يبدو أن السلطة الحاكمة ليست متيقّنة من الفوز في الانتخابات المقبلة، على الرغم من كل ما تمارسه من ضغوط، وما تعانيه المعارضة من ظروف صعبة، غير متكافئة. ومن ناحية أخرى، تبشر كافة الدلائل، بغض النظر عن نتائج الانتخابات، بقرب انقشاع الظلام عن تركيا.

قال آيدن سيلجان في مقالة له بصحيفة “ديوار”، “لم تشهد فترة حكم أردوغان ظهور أي علامة تجارية جديدة، واكتفى في الإنتاج بمجموعة ‘فاسون’ فقط. ندرك جيدا المكان الذي وصلنا إليه، والمكان الذي قد نصل إليه في المستقبل؛ في بيئة تفتقر إلى الحرية والتعددية والتضامن، وفي مجتمع بلا منظمات مجتمعية؛ مجتمع بلا قانون، بلا برلمان، بلا شفافية، بلا محاسبة، بلا توازن بين القوى، بلا نظام يعمل على تقصير المسافة بين الحاكم والمحكومين. ليس أمامنا مفرا من هذا السرداب. انتهت القصة عند هذا الحد. قد تكون هناك بعض الخطوط المتعرجة، أو المنعطفات غير المتوقعة في الجزء الأخير من القصة، ولكنها انتهت”.

السبب المهم الآخر لإنهاء هذه القصة هو أن أحزاب المعارضة قد تحركت، وتكاتفت معا قبل الانتخابات وكونت تحالفا. وعلى الرغم من أن حزب الشعوب الديمقراطي ظل خارج هذا التحالف، إلا أن أحدا لا يشك في تضامنه معه؛ من أجل الخروج بانتخابات عادلة.

فإذا تمكنت المعارضة من تحقيق الأغلبية في البرلمان، فعليها حينئذٍ أن تكرر على مسامع الناخبين عزمها على مواصلة التعاون بعد الانتخابات الذي يتضمن بنودا أربعة.

ستكون هناك قصة جديدة، سيتعهدون فيها ويُشهدون مواطني أمتنا العظيمة أنهم سيتكاتفون في ظل هذه الظروف الصعبة، التي تمر بها أمتنا العظيمة اليوم، خلف هذه البنود الأربعة للتعاون:

1- المساهمة في الخروج بانتخابات عادلة وآمنة؛ في مناخ من السلام والأخوة والثقة التي افتقدها شعبنا كثيرا؛ من أجل إنهاء حالة التفكك والاستقطاب المجتمعي التي صرنا نعاني منها بشدة في الوقت الحاضر.

2- العمل على إعادة النظام السياسي في تركيا إلى المسار الصحيح في أقرب وقت ممكن؛ من أجل إعادة بناء أسس سياسية ديمقراطية تنافسية؛ استنادا لمبادئ الديمقراطية التعددية.

3- ضمان نزاهة القضاء وحياديته، وإعلاء القانون لمبدأ الفصل بين السلطات.

4- التعاون في جميع أعمال الانتخابات، من أجل تفعيل المبادئ التي تكفل لمواطنينا ومؤسساتنا كافة الحقوق والحريات، وعلى رأسها حرية التعبير وحرية الصحافة.

سيكون هذا التعهد بمثابة طمأنة ورد على تساؤلات الناخبين، خاصة المترددين منهم بشأن الكيفية التي سيدير بها هذا التحالف، الذي يتكون من أربعة أحزاب، لدى كل منه رؤيته وأيديولوجيته الأمور في تركيا.

عندها فقط سنرجع عن طريق المجتمع المستقطب الخائف، وستُفتح أمامنا الأبواب على مصراعيها نحو مجتمع ينعم بالسلام ويتطلع إلى المستقبل بطمأنينة. دعونا نستغل هذه الفرصة جيّدا.

9