حجة الكلام

الخميس 2017/10/19

في مجلس خاص جمعني بثلة من المثقفين، جرى الحديث عن لجوء بعض الكتاب إلى ترصيع مقالاتهم بالحكم والأمثال القديمة نثرا وشعرا، فأنكر أحدهم هذا المسعى متسائلا ما إذا كنا اليوم في حاجة إلى الاتكاء على ما تركه الأوائل للإفصاح عما يعنّ لنا من أفكار يمكن التعبير عنها بلغتنا وأسلوبنا، بدعوى أن أقوال القدامى إنما كانت تنطق بحال ليست حالنا وبيئة ليست بيئتنا، وربما تعكس قيما غير قيمنا.

وأردف ثان أن في الاستشهاد بقائل القول نوعا من استظهار العضلات درج عليه بعضهم، ليُعلموا من لا يعلم أن لهم باعًا وذراعًا في عالم المعرفة.

ومن نافلة القول إن كلا الرأيين يجانب الصواب، فليس ثمة ما يمنع الاستئناس بالأمثال إذا دعت الحاجة إليها ولو غبَر قائلوها، وليس ثمة ما يحول دون ذكر من أرسلها حتى يَفيَه المحدثون حقه.

إن الأمثال والحكم شذرات من التراث الإنساني، يغترف منها كل فرد ما يعزز به رأيا ويدعم فكرة، إذ عادة ما تكون مَصوغة صياغة يمكن أن تُغنِيَ المرءَ عن خطبة مُسهَبة، لما تتّسم به من تكثيف واختزال لموقف تقتضيه اللحظة، فهي حُجّة الكلام إذا تمنّعت الحجّة. ولو عدنا إلى كتب الأولين لألفَينا ما للمثل من أهمية عندهم. يقولُ إبراهيم النّظّام “يَجتمِعُ في المثَلِ أربعةٌ لا تَجتمِعُ في غيرِهِ من الكلام: إيجازُ اللفْظ، وإصابةُ المعنى، وجَوْدَةُ الكناية، فهو نهايةُ البلاغة”.

ويقول ابنُ المقفَّع “إذا جُعِلَ الكلامُ مَثَلاً كان أوضَحَ للمنطِق، وآنَقَ للسّمْع وأوسَعَ لِشُعوبِ الحديث”. أمّا أبوهلال العسكري فقد كتب يقول “ما رأيتُ حاجةَ الشّريفِ إلى شيءٍ من أدبِ اللّسانِ كحاجتِهِ إلى الشاهِدِ والْمَثَل، فإنّ ذلك يَزيدُ المنطِقَ تفخيمًا، ويُكْسِبُهُ قَبولاً، ويَجْعَلُ لهُ قَدْرًا في النّفوس، وحلاوةً في الصّدور، ويَدْعو القلوبَ إلى وَعْيِه، ويَبْعَثُها على حِفْظِه، ويأخُذُها باستِعْدادِهِ لأوقاتِ الْمُذاكَرة، والاِستِظهارِ بهِ أوانَ الْمُجادَلة”. وهو ما يؤكّده الأبشيهي الذي أفرد جملة من الحكم والأمثال في “المستَطْرَف” بقوله “إن الأمثالَ مِن أشرَفِ ما وَصلَ بهِ اللبيبُ خطابَه، وحَلّى بجواهِرِهِ كتابَه، وقد نَطَقَ كتابُ اللهِ بكثيرٍ منها، وكذلك الحديثُ الشريف، ولم يَخْلُ منها الأدبُ العربيُّ في نَثره وشِعره”.

وأما ذكر القائل فأمر واجب، اعترافا بسبقه ووفاء لفكره، إذ لا يجمل بالمرء أن ينسب حكمة أو مثلا أو مقولة إلى نفسه، ويوهم أنها من ابتكاره، ومن الأمانة أن يردّ كل قول إلى صاحبه.

يقول طرفة “ونُصَّ الحديثَ إلى أهلِه/ فإنّ الوثيقةَ في نصِّهِ”.

كاتب تونسي

15