"حجر رشيد": أثر فرعوني حالت السياسة دون عودته إلى مصر

الاثنين 2014/10/13
شامبليون رائد علم المصريات فتح بابا موصدا أمام المؤرخين

لندن - “حجر رشيد” أكثر من مجرد اكتشاف أثري، هو أيضا جزء من تاريخ الإنسانية بوصفه كان مفتاحا لحل لغز الكتابة الهيروغليفية، بحيث يمكن اعتباره أحد المنعرجات العلمية الكبرى التي أتاحت مزيد التعرف على زوايا معتمة من التاريخ البشري. تحتفل الإنسانية هذه الأيام بمرور 215 سنة على اكتشافه.

“حجر رشيد” هو حجر نقشت عليه نصوص هيروغليفية وديموطيقية ويونانية، وكان مفتاحا لتفكيك شفرة الكتابة الهروغليفية. وسمي كذلك لأنه اكتشف بمدينة رشيد الواقعة على مصب فرع نهر النيل في البحر المتوسط.

نُقش الحجر عام 196 قبل الميلاد، ويحملُ مرسوما تم إصداره في مدينة منف (أو ممفيس). أصدر المرسوم المنقوش على الحجر، مجموعة من الكهان بقصد تخليد ذكرى الملك بطليموس الخامس، وكُتب المرسوم بثلاث لغات: الهيروغليفية، والديموطقية (اللغة القبطية) والإغريقية.

لكن الحجر ظل مجرد قطعة أثرية بلا دلالات، في ظل عجز المؤرخين على فك طلاسمه، ولم يتحول إلى وثيقة تاريخية إلا بتوصل الباحث الفرنسي فرانسوا شامبليون (1790- 1832) لفك رموزه.

قام شامبيليون بتفكيك شفرات اللغات الواردة في الحجر، وبذلك ضرب عصفورين بحجر واحد؛ الأول أنه وفر ترجمة لما ورد في الحجر، وكان محتوى الكتابة تمجيدا لفرعون مصر وإنجازاته لكهنة مصر وشعبها، وقد كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من كبار المصريين والطبقة الحاكمة، وهو ما قدم صورة عن الوضع السياسي والاجتماعي لتلك الحقبة من التاريخ الفرعوني لمصر.
أما الفائدة الثانية، فتتمثل في أن القواعد التي استخدمها شامبيليون ستفيد، لاحقا، في ترجمة كل الوثائق التي تحمل كتابات ورموز هيروغليفية، وبذلك تحولت من مجرد صور ورموز إلى لغة مقروءة لدى الباحثين.
"وثيقة" حجر رشيد وفرت صورة أخرى عن التمايزات الطبقية والسياسية التي كانت سائدة في مصر القديمة

توصل تشامبيليون إلى فك رموز الكتابة الهيروغليفية الواردة في “حجر رشيد” بعد مضاهاتها بالنصّ اليوناني ونصوص هيروغليفية كثيرة أخرى، واحتواء الحجر على كتابة بلغات ثلاث يدل على أن اللغة الهيروغليفية، كانت آنذاك اللغة الدينية المقدسة المتداولة في المعابد المصرية، وأن اللغة الديموطيقية هي اللغة الشعبية (ما يقترب من اللغة العامية المتداولة في الأوساط الشعبية)، أما اللغة اليونانية فهي لغة حكام مصر من الإغريق بمختلف سلالاتهم. وهذا يقيم الدليل على أن “وثيقة” حجر رشيد وفرت صورة عن التمايزات الطبقية والسياسية التي كانت سائدة في مصر القديمة.

استفاد تشامبيلوين من جهود العالم البريطاني توماس يانج الذي حاول، قبل تشامبيليون، النفاد إلى أسرار حجر رشيد ولم يتوصل إلى ذلك لكنه اكتشف أن الكتابة الهيروغليفية تتكون من دلالات صوتية، وأن الأسماء الملكية مكتوبة داخل أشكال بيضاوية (على شاكلة خراطيش)، وهو اكتشاف يسّر له ترجمة الكتابة الهيروغليفية واستنباط وسيلة لوضع ما يشبه الأبجدية لحروفها. انطلق تشامبيليون من النص اليوناني الذي احتوى فقرة مكونة من 54 سطرا، وكان سهل القراءة بالنسبة إلى مختص في اللغات القديمة، ومن ثمة تمكن من تمييز أسماء الحكام المكتوبة باللغة العامة المصرية (الديموطيقية) ثم حاول مقارنة ما توصل إليه في اللغتين بما احتوته الكتابة الهيروغليفية.

اكتشاف تشامبيليون، فتح المجال أمام المهتمين بدراسة الحضارة المصرية، اعتمادا على إعادة استنطاق الكتبات باللغة الهيروغليفية، وبذلك أصبحت دراسة الهيروغليفية مادة ضرورية لكل المختصين في علوم المصريات.

بعد 215 عاما على اكتشافه يظل حجر رشيد شاهدا على الإسهام الفرعوني في تراث الإنسانية

وبالعودة إلى الحجر في حد ذاته، نشير إلى أنه ليس محدد الشكل، لكسور طالت بعض جوانبه، حيث فقد بعض الأجزاء من أعلاه وأسفله، ويبلغ ارتفاعه حوالي 113 صم، وعرضه يناهز 75 صم، أما سمكه فيتجاوز 27 صم. واحتوى مرسوما كتبه الكهنة المصريين المجتمعين في منف ليشكروا الملك بطليموس الخامس على مبادرته بوقف بعض الممتلكات على المعابد، وإعفاء الكهنة من بعض الالتزامات والضرائب. وكان ترتيب الكتابة التي احتواها، من أعلى أسفل؛ الهيروغليفية، فالديموطيقية ثم الإغريقية اليونانية.

وبما أن الحجر اكتشف أثناء حملة نابليون على مصر، فقد أمر هذا الأخير بإنجاز نسخ عديدة منه ووضعها على ذمة المهتمين بالحضارة المصرية، وحصل شامبليون، كغيره من المختصين، على نسخة خاصة اعتمدها في إنجاز بحوثه. ثم وصل الحجر (النسخة الأصلية) عام 1802 إلى بريطانيا بموجب اتفاقية أبرمت بين فرنسا وبريطانيا، ليستقر في المتحف البريطاني بلندن.

استقرار حجر رشيد في المتحف البريطاني يحيلنا على الجهود التي تبذلها مصر من أجل استعادة القطع الأثرية الثمينة، التي تتصدر المتاحف الأوروبية عامة، والبريطانية خاصة. وتصطدم هذه الجهود بعقبة قانونية قوامها أن قانون تجريم خروج الآثار من مصر لم يصدر إلا سنة 1983، وهو ما يعني أن مصر تكافح من أجل استرجاع آثارها “المهاجرة” إلى الخارج قبل صدور ذلك القانون.

من ناحية ثانية، وقع ترحيل حجر رشيد قبل إمضاء القاهرة اتفاقية “اليونسكو” الخاصة بالنقل والاتجار غير المشروع للآثار عام 1970، وهي اتفاقية تحولت إلى سيف مسلط على الجهود المصرية، طالما أنها لا تتيح المطالبة بالآثار التي تم تهريبها قبل ذلك.

12