حجر على بطن وطن

الاثنين 2014/08/11

لملم ابني الصغير الذي لم يكمل عامه السادس، ألعابه وخاصة طائرته الهيلكوبتر العملاقة التي كانت أحد أهم أحلامه للتحليق في خياله الطازج، وسياراته التي جمعها من هدايا الأسرة والأصدقاء، وعبأها في حقيبة كبيرة، وعندما سألته، قال: سأبيع كل ألعابي، لأطعم كل الأطفال الذين يربطون على بطونهم أحجاراً من الجوع، حتى يتوقف مسلسل الجوع المصري.

توقف عقلي عن التفكير، وأصيبت ذاكرتي بالشلل بعد أن رأى صغيري خطأ هذا المشهد القاسي. إنه إعلان على شاشات التلفاز لإحدى الجمعيات الخيرية يستصرخ المصريين للتبرع من أجل إطعام الفقراء من خلال مشهد لطفل صغير يربط على بطنه حجرا من شدة الجوع.

إعلان لإحدى الجمعيات التي بدلاً من مساعدة الفقراء فهي تتاجر بضعفهم وتتسول أموال الأغنياء ورجال الأعمال بكسر القلوب على صغار ينامون جوعى.

لا أنكر الفقر في مصرنا، ولا أنفصل عن الواقع، وأصورها جنة الله في الأرض، ولكن الشيء الوحيد الباقي في هذا البلد هو التكافل الاجتماعي الذي يطبقه مصريون أياً كانت ديانتهم ومعتقداتهم وأيدولوجياتهم، وتبرز أهم مظاهر التكافل الاجتماعي في الجموع التي تتسارع في حالة وقوع أية حادثة لا قدر الله، وأطباق المأكولات والحلويات التي تتنقل من بيت إلى بيت ومن أسرة لأسرة حتى ينسى الجميع لمن كان “الطبق أو الصحن” في البداية.

نعم الفقر يأكل أكباد المصريين لكن يفله التكافل، لن أنسى صوت إمام المسجد يخترق آذان أهل الحي في غير وقت الصلاة، أغيثوا إخوانكم في الكيلو أربعة ونصف (منطقة عشوائية، فقيرة تقع على طريق القاهرة- السويس). وتعمل معظم نسائها كخادمات منازل في منطقة مصر الجديدة الراقية، فلم يتأخر كل من سمع الصوت، عن تلبية النداء، وإغاثة الفقراء، وفي ساعات قليلة كانت ساحة المسجد تكتظ بعلب من السكر، والزيت، والمسلي، وبعض الوجبات الجاهزة، وألبان للصغار، وكل متطلبات الحياة الكريمة، وامتلأ الصندوق الذي أعده الشيخ للتبرع بالكثير من أموال مصريين على أتم الاستعداد لإغاثة الملهوف وإطعام الجائع.

أعلم أن في مصر فقراً وجوعاَ وعوزاَ وبشراَ يأكلون من القمامة، ويتقاسمون الطعام مع الحيوانات، لكن في المقابل لدينا كرم، وتكافل يحاربان أي جوع. نعم هناك فقر يبكي الصغير والكبير لكن أن يصل بالجوعى إلى ربط أحجار على بطونهم، فإنني أشك في ذلك.

عادت ذاكرتي إلى سنوات الطفولة، حين توفي عم فكري صليب، تاركاً بعده أربعة أطفال وزوجة شابة، تكاتفت كل الأسر لمساعدتهم ورفض الجميع أن تعمل الزوجة وتترك أبناءها وحدهم في البيت وهم في هذه السن الصغيرة، وتشاورت معها النساء لإعداد بعض أنواع الطعام التي تعجز الكثيرات عن إعداده بمفردهن، وكن يشترين منها الطعام بكثافة من أجل المساعدة بأسلوب يحفظ لها كرامتها ويجنبها السؤال.

المصريون لهم قلوب في رقة النسيم، لكن بعض الجمعيات، التي تسمى زورا جمعيات البر والإحسان، تتاجر بعوز الفقراء، وتصورنا نربط حجراً على بطن الوطن، كما تصورنا شعباً من الجوعى والجهلاء للمتاجرة أمام مانحي الملايين، تماماً كلاعبي السيرك الذين يملأون أفواههم بالنيران، ويتسلقون الحبال أمام الجماهير، أو كالقرداتي الذي يربط حبلاً في جيد قردته ويصفق أمام المارة قائلاً لها “عجين الفلاحة، أو ارقصي يا قردة”، أعتذر لنفسي ولكل الفقراء.

21