حج المصريين.. مراسم تبدأ بمجالس الوداع وتنتهي باحتفالات العودة

مجالس الوداع والعودة عادة يحرص المصريون على إحيائها سنويا قبل وما بعد رحلة الحج خاصة في الريف والمناطق الشعبية، كتعبير عن البهجة والتفاؤل.
الأربعاء 2018/08/01
الشوق يمتزج بالفرحة في الذهاب والإياب

القاهرة - في إحدى قرى شمالي مصر، كان الستيني ماهر جلال يستعد لأداء فريضة الحج قبل سنوات، وأول ما تبادر لذهن أهل بيته هو القيام بطلاء حائط منزله وكتابة عبارة “حج مبرور وذنب مغفور”.

أحد من عاشوا تلك الواقعة، يسترجع الآن تفاصيل العادات والتقاليد السنوية للمصريين، قائلا إن الرسم على جدار المنزل كان أول ما انتبه له أهل هذا الحاج، فاستعانوا بخطاط ليكتب تلك العبارة تتوسطها صورة للكعبة المشرفة.

ويضيف إبراهيم عيد “هذا ما فعلناه أيضا لوالدي ووالدتي عندما ذهبا للحج قبل سنوات، إذ قمنا بطلاء الحائط الخارجي للمنزل ووضع الرسوم والعبارات ذاتها، بينما تم رفع الرايات البيضاء على السيارة التي أقلتهما إلى المطار قبل رحلة السفر للأراضي المقدسة، بخلاف الاحتفالات والأغاني المرتبطة بالحج”.

وبخلاف الجداريات على الجدران والرايات البيضاء على الحافلات، والأغاني، هناك حرص على استقبال الزائرين ما قبل وبعد الرحلة، أو ما يعرف بمجالس الوداع والعودة.

تلك الطقوس، المرتبطة بشعيرة الحج، يعتبرها خالد أبوالليل أستاذ الأدب الشعبي، مترسخة ومتغلغلة لدى المصريين، لا سيما في الريف والمناطق الشعبية، كتعبير عن البهجة والتفاؤل. حصة مصر في الحج هذا العام تبلغ 78 ألف حاج، أعلنت السلطات المصرية أنها وفرت لهم كاملا الرعاية خلال الرحلة المباركة. ووفق دراسة سابقة لـ”مركز الأقصر للدراسات والحوار والتنمية”، والأكاديمي خالد أبوالليل،  تبدأ فلكلوريات الحج لدى المصريين بمجالس الوداع إلى احتفالات العودة.

وتبدأ تلك العادات والتقاليد فور سماع الحاج لخبر فوزه في قرعة الحج أو تلقيه تأشيرة الدعوة لأداء الفريضة واقتنائه ثوب الحجاج، حيث يتحول منزل الحاج إلى مزار شعبي احتفائي للجيران قبل ذهابه، والأمر نفسه يتكرر عقب عودته، وهو ما يعرف بمجالس الوداع والعودة.

وتتزين بعض بيوت الحجاج برسوم تحمل آيات قرآنية تدعو لأداء فريضة الحج وأشهرها قوله تعالى “وأتموا الحج والعمرة لله”، وكذلك بعض التعبيرات المأثورة منها “حج مبرور وذنب مغفور” و”لبيك اللهم لبيك”، وبعض الصور للكعبة أو وسائل الحج عبر الزمان بدءا من ركوب الجمال ومرورا بالسفينة والطائرة.

وتقول المصادر “كان أول من رصد لرسوم وجداريات الحج في العصر الحديث بعض الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر في نهاية القرن التاسع عشر مثل المستشرق الإنكليزي إدوارد ويليام لي”.

وفي كتابه “المصريون المحدثون”، تناول ويليام لي عادات وتقاليد المصريين في هذه الفترة وأهمها تزيين منازلهم قبل عودة الحجاج بثلاثة أيام، وتلوين الأبواب والحوائط باللونين الأبيض والأحمر وبطريقة بدائية بسيطة.

ومنذ بضعة سنوات، صدرت ترجمة عربية لكتاب بعنوان “رسومات الحج، فن التعبير الشعبي عن الرحلة المقدسة”، قام بتحريره الإنكليزي أفون نيل، تناول فنون التعبير الشعبي عن رحلة الحج في مصر. ودعا محرر الكتاب إلى تسجيل هذه الجداريات بوسائط حديثة تجمعها في كيان مرئي يحميها من الاندثار، لأنها في مجملها تشكل سجلا أثريا لفن شعبي شديد الخصوصية، يمثل حركة فنية اعترف بها العالم ووجها مشرقا من أوجه الميراث للأمة المصرية. أحد أبرز الطقوس المميزة لرحلة الحج في مصر الرايات البيضاء التي توضع فوق الحافلات التي تقل الحجاج من مدنهم وقراهم إلى المطارات والموانئ عند الذهاب لأداء الفريضة، أو العكس في طريق العودة.

وتمتلأ منازل الحجاج باحتفالات وأغان بشكل مستمر قبل ذهاب الحاج لأداء الشعيرة، ومن أشهر الكلمات الغنائية التي يرددها المصريون “بعيدة بعيدة يا بلاد الرسول.. بعيدة بعيدة ونفسي أزورك يا نبي”.

ويحظى الحاج عقب عودته بمعاملة خاصة وسط مجتمعه، فهناك يتمتع بأكبر قدر من درجات التوقير باعتباره أقرب واحد من أفراد المجتمع حداثة ببيت الله وبزيارة الرسول، ويكون النداء دائما له مسبوقا بلقب “الحاج”، ويعدّ هذا اللقب جزءا أصيلا من هويته.

خالد أبوالليل يقول إن الحج يحظى بمكانة كبيرة لدى المصريين، وله طقوس عديدة متغلغلة ومترسخة عندهم للاحتفاء بها والتعبير عن البهجة والتفاؤل. ويوضح أبوالليل أن الجداريات أو الأغاني أو الزيارات أو وضع الرايات البيضاء هي طقوس معبرة عند المصريين لا سيما في المناطق الريفية والشعبية.

ويشير إلى أن المصريين حتى بعد هجرتهم من الريف إلى المدن حافظوا على تلك الطقوس، وإن قلت لتغييرات اجتماعية إلا أنها موجودة وتحظى بمكانة في النفوس.

20