حدائق القشلة في بغداد تورق حياة كل جمعة

تقليد أسبوعي لا يفوته العراقيون للمرح والاستمتاع بقطوف من الشعر والأدب والفنون، وزوار بغداد من العرب والأجانب يستنشقون عبق تاريخ عراقي.
الجمعة 2019/03/15
عقارب ساعة حديقة القشلة معدلة على توقيت الزمن الجميل

بغداد – يتوافد منذ ساعات الصباح كل جمعة المئات من العراقيين بمختلف الأعمار ومن مختلف المناطق على حدائق قشلة بغداد، والتي تسمى أيضا حديقة السراي، مقر الحكومة العراقية بعد عام 1851 خلال حقبة الحكم العثماني وبعدها الحكم البريطاني ثم الحكم الملكي، لقضاء ساعات من المرح والسعادة للاستماع إلى أغان عراقية قديمة يؤديها مطربون هواة من مختلف الأعمار وأشعار في مشهد آخذ في التزايد بعد استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد.

تتوسط الحديقة الرئيسية ساعة كبيرة كانت محط إعجاب البغداديين. ترتفع عموديا بأربعة أوجه تعلوها منارة تضم مؤشرا حديديا يوضح اتجاهات الرياح من أربعة أوجه وعمرها أكثر من قرن ونصف القرن. وأعيد تشغيل هذه الساعة بعد تغيير النظام العراقي.

ولا يكتمل رونق الزيارة إلا بارتداء زوار الحديقة أزياء شعبية تعكس تاريخ بغداد وتجانس أبنائها، في مشهد يضفي خصوصية على المكان الذي يرتفع عدد ضيوفه جمعة بعد جمعة، حيث يحرص البغداديون على الحضور، مع الأصدقاء أو العائلة، للمشاركة والاستمتاع بأجواء تعكس استعادة بغداد لعافيتها وألقها.

ويقول خلدون الطائي (53 عاما) “التواجد في حدائق القشلة أصبح تقليدا أسبوعيا يتم الاستعداد له مبكرا من خلال الاتصال بالأصدقاء والمعارف وأفراد العائلة لقضاء أوقات رائعة والتجوال بين أروقة المبنى والاستئناس بأجوائها الفنية والأدبية والثقافية والاستماع إلى أغاني الزمن الجميل بأصوات هواة بأعمار مختلفة”.

أروقة حدائق القشلة وخارجها تشهد معارض شخصية لفنانين شباب تعرض فيها لوحات غاية في الإبداع وأخرى لرسوم الكاريكاتير

ويضيف الطائي متحدثا بنبرة تعكس فخرا وارتباطا بالمكان، “المنطقة المحيطة بمبنى وحدائق القشلة تجعلك تعيش في عالم جميل. بإمكان الشخص قضاء أوقات على ساحل نهر دجلة أو المقاهي القديمة، والاستمتاع بالجلسات الأدبية والثقافية أو زيارة المتحف وسوق الكتب وبشكل عام المكان ساحر ورائع”.

ويحيط بمبنى القشلة سوق شارع المتنبي الشهير بتجارة الكتب التي أخذت بالاتساع بعد الغزو الأميركي في عام 2003، حيث تكتظ بعناوين لم تشهد لها البلاد مثيلا منذ العشرات من السنين حيث يتمتع رواد هذا السوق بالتجول حول الكتب المعروضة على طول الشارع.

كما تشهد المقاهي البغدادية التاريخية القريبة من القشلة، وأبرزها مقهى الشابندر والزهاوي والبيت الثقافي البغدادي اكتظاظا كبيرا وهي ملتقى للمثقفين والإعلاميين ومسؤولين كبار ودبلوماسيين للاستماع إلى آراء الكتاب والمثقفين، والتوقيع على الإصدارات الجديدة فضلا عن الاحتفاء بشخصيات عراقية مؤثرة لها باع كبير في السياسة والأدب والشعر والفن.

وإلى جانب هذه الفعاليات الإبداعية، تشهد أروقة حدائق القشلة وخارجها معارض شخصية لفنانين شباب تعرض فيها لوحات غاية في الإبداع وأخرى لرسوم الكاريكاتير تعكس هموم العراقيين وأسواق متفرقة لبيع منتجات شعبية ويدوية؛ فيما يحرص عدد من الرسامين على استضافة زبائن لرسمهم أمام الجمهور، حيث تلقى هذه الفعاليات استحسان الزائرين ويقبلون على المشاركة فيها.

وتقول مروة سلمان (48 عاما)، وهي موظفة حكومية إن “زيارة مبنى القشلة والتجوال في سوق السراي والمتنبي أصبحا تقليدا نحرص عليه كل جمعة وأصبح لنا أصدقاء ومعارف نحرص على الاجتماع بهم لقضاء أوقات غاية في الروعة”.

متنفس عراقي لاستقبال المثقفين
متنفس عراقي لاستقبال المثقفين

وتضيف “الملفت أن الجمعة أصبح للكثير من العراقيين وأهالي بغداد يوما مخصصا لزيارة سوق المتنبي والتجوال في حدائق القشلة والاستماع إلى أطروحات المثقفين والشعراء فضلا عن هموم المجتمع واستذكار كبار المثقفين والشعراء والكتاب والأكاديميين”.

يحرص زوار بغداد من العرب والأجانب على التواجد في حدائق القشلة وشارع المتنبي والأبنية التاريخية المحيطة بها على ضفاف نهر دجلة التي تحمل عبق تاريخ بغداد، فضلا عن الاستمتاع بالوصلات الغنائية التي يؤديها هواة بمختلف الأعمار على أنغام موسيقيين هواة متمرسين تحظى بقبول كبير وارتياح من الجمهور.

ويحرص محمد خليل (31 عاما)، وهو طالب دراسات عليا، على  أن يكون صبيحة كل جمعة في منطقة سوق المتنبي ومبنى القشلة لاعتبارات كثيرة أبرزها أنها تضم عالما جميلا من الفن والرسم والأدب، وثقافة راقية يديرها مهتمون ومتخصصون دون رقابة وتعبير حقيقي لحرية الرأي في شتى المجالات وفي أجواء راقية بعضها تجذب تفاعلا من قبل الحضور، وتبادلا لوجهات النظر بطريقة حضارية.

ولا يختلف اثنان على أن حالة الفرح والابتهاج التي يعيشها البغداديون في حدائق مبنى القشلة تعكس شخصية العراقيين التواقين للعيش في أمن واستقرار بعيدا عن المشهد الدموي الذي خلفته الأحداث بعد عام 2003، وما تبعها من أعمال عنف واقتتال عرقي.

ويقوم رواد حدائق القشلة بتوثيق لحظات تجوالهم التي تستمر لساعات، ومن ثم تبادلها عبر شبكات التواصل الاجتماعي عبر كاميرات أجهزة الموبايل أو الكاميرات الشخصية في ظل أجواء من البهجة والفرح تجذب تفاعلا ومن ثم الاتفاق على زيارة المنطقة مجددا.

20