حدائق مونيه المائية

الاثنين 2014/07/14

كان الرسام الفرنسي كلود مونيه (1840 / 1926) قد قضى خمسا وعشرين سنة، وهو يرسم لوحاته التي تصور حدائق مائية في بلدته جيفرني.

تلك الزهور التي تطفو على المياه بجذورها العائمة التي ترى بالعين المجردة. لم يمنعه ضعف بصره حين تقدمت به السن من الاستمرار في رسمها، بالرغم من أنه صار يحتكم إلى ما تتخيله يده أكثر من احتكامه إلى ما تراه عينه.

كانت هناك بلاغة مختلفة يقترحها الرسم لتكون الأشياء موجودة بقوة تأثيرها البصري. فبين ما تراه العين مباشرة وبين ما تتذكره مسافة خيال يمكنها أن تكون مدعاة للشك.

غير أن مونيه لم يكن مهتما بصلته بالواقع. لم يكن معنيا بتصوير ما يراه. لقد أخذه شغفه بالرسم إلى موقع الإلهام البصري الذي يكون فيه كل ما يقع على سطح اللوحة حقيقيا، بقوة ما يحدثه من تأثير بصري.

لقد تدربت يده على تلمس جدران المتاهة، فكان يرسم بثقة من يمشي في بيته. بهذا المعنى لا يكون الرسم انعكسا لما نراه، بل لما نشعر به.

لقد مهدت رسوم مونيه يومها، وهو الرجل الذي يكاد أن يكون أعمى للمذهب التجريدي من غير أن يكون الرسام قد قصد ذلك. كانت ذاكرته البصرية قد امتلأت بما يمكن أن يرسمه مستقبلا، فهل كان معنيا بما لم يره من قبل؟

كان مونيه قد وضع حياته رهن جمال كان قد استوفى شروطه روحيا. لم يكن يلعب في فضاء لم يختبر مساحاته من قبل. كان يراهن على الطبيعة التي سبق له وأن امتزج بها، بصورها الخالدة بكل تغيراتها.

مونيه وهو ابن الانطباعية الفرنسية كان قد عجن مزاج الطبيعة بمزاجه الشخصي ليخلص إلى النتيجة التي تقول إن الرسم لا يعبر عن الواقع، بل عن الحقيقة التي لا يمكن أن تكذب.

كان لديه وهو الأعمى ما يقوله عن حدائقه المائية التي لا تزال تسحرنا. تعلمنا رسوم مونيه أن نغمض عيوننا لنرى الجمال.

16