حدائق هاملت

الاثنين 2016/04/04

حين اكتشفت “حدائق هاملت” غرب لندن، أدركت أن الشاعر نوري الجراح لم يخترع شيئا على سيبل المجاز اللغوي. فالأمير الدنماركي الذي صار إنكليزيا بقوة الخيال الشكسبيري، كانت له حدائق في المدينة التي شهدت ظهوره على مسارحها، باعتباره ممثلا.

لقد فكرت أن ما فعله شكسبير بالأمير الدنماركي، فعله الجراح بحدائق ذلك الأمير. بالنسبة إلي فإن الإعجاب بالفطنة اللغوية التي جعلت لهاملت حدائق شعرية، كانت قد تلاشت ليحل محلها إعجاب بذكاء وفتنة الاستعارة من الواقع.

فهاملت وهو سيد الحائرين في الأدب، يمكنه أن يكون عنوانا لحدائق تشيع نباتاتها الرغبة في العيش المطمئن. لا يمكن للمرء أن يكون هاملتيا، إذا اعتاد أن يجلس في تلك الحدائق.

قد لا يوافقني الجراح في ذلك الاستنتاج، ذلك لأنه كتب ديوانه بروح هاملتية لم تكن بعد قد اكتشفت أن هناك حدائق ستتنفس أشجارها هواء عصفها.

لقد أتاحت لي تلك الحدائق أن أفكر في هاملت، قبل أن يسطو عليه شكسبير ليدمر حياته، أما أوفيليا التي استحضرها الجراح في كتابه وحيدة من غير هاملت، فقد كانت بالنسبة إلي كل امرأة لا تخفي ابتسامتها المتدفقة حنانا حين ترى اسم الأمير الدنماركي، وهو يزين باب حديقة لا تختلف عن الآلاف ن الحدائق التي تحفل بها لندن.

هل التقط الجراح أوفيلياه من الشارع ليمشي بها بين ممرات حدائق عاشقها المعذب؟ يمكنه أن يقنعها بأن هاملت كان قد عاش جزءًا من حياته الخيالية هنا.

لمَ لا، والأمير الدنماركي كان قد تحول بسبب العبث الشكسبيري إلى جمل في كتاب، يحمله طلاب المدارس وهم يرددون بمرح “نكون أو لا نكون”، وهو سؤال لم تشبع البشرية بعد من الإجابة عليه، إنه المختبر الذي تمتزج فيه سعادتها بتعاستها.

لقد وضع شكسبير يده على الجرح كما يُقال، ولكن ذلك الجرح لا يزال في انتظار أن توضع عليه يد ليست بشرية.

كاتب من العراق

16