حداثات عربية ممكنة

السبت 2015/05/09

لتأصيل مصطلح “الحداثة العربية المميّزة” حتى يفضي بالوعي العربي إلى الخروج، نهائيا، من أيديولوجيتين تخيّليتين زائفتين، تبدوان متناقضتين، غير أنهما تلتقيان، منهجيا، لتعكسا “رؤية للعالم” شديدة التّطابق!

حين نلحّ على تأكيد عبارة “الحداثة العربية المميّزة”، كعبارة تستدعي التأمّل والتّدقيق المفضيين إلى تطويرها، مفهوميا، لتصبح مصطلحا معتمدا قابلا للتّداول العلميّ والعمليّ، فإنّ الدّلالة الأولى لهذا المصطلح الواعد إنّما تذهب إلى تأكيد خاصّية التّميّز عبر تأكيد الخصوصية المشروطة بالزّمان والمكان، وبتنوّع معطيات المجتمعات العربية المراد إنهاضها بما يقتضي تنوّعا مكافئا في الرّؤى المستقبلية، وفي المكونات الثقافية التّنويرية الأساسية القابلة، بطبيعتها كمنتج معرفيّ إنسانيّ، للمراجعة والتطوير والإثراء، بغية توظيفها، على نحو مبتكر، في إنهاض الوعيّ المفضي إلى انبثاق زمن الحداثات الفكرية العربية، والشّروع في تحديث المجتمعات العربية تحديثا حضاريا عميقا وشاملا.

ولتأصيل مصطلح “الحداثة العربية المميّزة”، ومصطلحي “الحداثة العربية المتنوّعة” و”الحداثة العربية المتعدّدة”، كمصطلحين متحوّلين يرتبطان به في إطار وحدة شاملة يزيدها التّنوّع الثّقافيّ ثراء، حتى يفضي بالوعي العربي إلى الخروج، نهائيا، من أيديولوجيتين تخيّليّتين زائفتين، أو ربما من رؤيتين تخيّليّتن وهميتين -إن جاز وصل الرّؤية بالتّخييل والوهم- تبدوان متناقضتين، ظاهريا، غير أنهما تتكشّفان، حال إخضاعهما للتّفحّص المنهجيّ المدقّق، عن حقيقة أنهما تعكسان “رؤية للعالم” شديدة التّطابق من حيث انبثاقها عن التّخييل، وإلحاحها على بيع الوهم!

تتأسّس أولى هاتين الرّؤيتين الأيديولوجيتين (الرؤية السّلفية) على الاتّباع والتقليد إذ لا ترى مستقبلا للعرب إلا في استعادة ماضيهم، تقليدا واتّباعا يغيّبان العقل، وينفيان حركية الزّمن النّهضوي، ويحتجزان ممكنات المستقبل إذ يغلقان مسارات تقدّمه الذّاهبة دوما صوب رقيّ متصاعد، بل إنهما، أي الاتّباع والتقليد، يلغيان المستقبل نفسه كفكرة ممكنة.

أما ثاني هاتين الرّؤيتين الأيديولوجيتين (الرؤية الاستغرابية)، فإنها تتأسّس على التّبعية والاقتداء إذ لا ترى مستقبلا للعرب إلا في محاكاة حاضر الغرب الأوروبي أو الأميركي، أو في استنساخه، تبعيّة واقتداء، يغيّبان العقل، وينفيان الخصوصية الثّقافية والزّمنية، ويحتجزان، كذلك، ممكنات المستقبل، بل يلغيان المستقبل نفسه كإمكانية مجرّدة، أو كحلم قابل للإدراك.

وجليّ أنّ أكثر هاتين الرؤيتين حضورا وتجذّرا وقبولا في الوعي العربي القائم الآن، هي الرؤية السّلفية الدّينية، على تعدّد تياراتها المسكونة بتأويلات تخييليّة قسريّة تعسّفيّة للدّيانة الإسلامية وللتاريخ العربي والحضارة العربية. وقد كان لهذه الرؤية أن تنتج، في ما أنتجت، أيديولوجيا ماضوية نكوصية هروبية، تجافي الواقع الرّاهن وتتأبّى عليه، وتغلق أبواب تقدّمه، إذ تتجاهل خصوصيته والشروط الحاكمة في أزمنته ومجتمعاته ذات الأزمنة والأمكنة والخصوصيات المتنوّعة، وتصرّ على سحبه، قسرا وعنتا، لإسكانه في “عصر ذهبيّ” يقطن الآن أقبية ماض بعيد تستحيل استعادته.

أما أقلّ هاتين الرؤيتين حضورا وقبولا في الوعي العربي القائم الآن، فهي الرؤية الاستغرابية التي أنتجت، بدورها، أيديولوجيا تخييليّة تتأسّس على تأمّل الأنا العربية في مرايا الآخر الغربي، وليس في مراياها هي، أي ليس في مرايا “الأنا العربية” التي تتعدّد بتعدّد الشّروط الموضوعية والذّاتية الحاكمة في مجتمعاتها ذات المستويات الثقافية والحضارية المتباينة، وذات المصالح المشتركة المتداخلة، وذات المبادئ والمكونات الثقافية المترابطة والمتشابكة والتي يمكن لتطويرها، وللإعلاء من شأنها على نحو حضاريّ حداثيّ خاصّ ومتجدّد، أن يجعل منها قواسم مشتركة ينبني عليها أيّ مشروع عربيّ نهضويّ عميق وشامل، وقابل للإنجاز على نحو مرحليّ متتابع ومدروس وفق خطّة واقعية محكمة الإعداد.

باستبعاد هاتين الرؤيتين الأيديولوجيتين اللّتين تفتقران إلى إمكانية التّأصيل الفكري والمنطقيّ والعلميّ والعمليّ، تنبثق إمكانيات ثريّة لمتابعة تأسيس خطاب نهضويّ عربيّ أصيل وموائم يستطيع إنهاض الأمل في تجديد كلّ خطاب ذي صلة بالواقع العربي: فكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعلميا، وغير ذلك من حقول معرفية ومجالات حياتية، بحيث تتأسّس شبكة علاقات تفاعلية جديدة وحيويّة بين عقل الأنا العربي الفاعل في الوجود، وبين تراثه الثّقافي والحضاري، ومنجزه الفكري التنويري المعاصر، والمنجز الفكري والثقافي الحداثيّ والتّحديثي في حضارات العالم الحديث، على تعدّدها وتنوّع الحداثات التي أنجزتها، والتي تتابع تطويرها وفق ثقافاتها وحاجات مجتمعاتها وأولوياتها، وفي إطار يضفرها بالحضارة الإنسانية على شمولها، وتنوّعها الخلّاق.

ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16