حداثة أم طليعية

الثلاثاء 2014/03/25

في هذه الأيام يكثر الحديث بين ما يدعى بالمثقفين الجزائريين حول الحداثة ويذكرني هذا بلقائي مع الشاعر العراقي سعدي يوسف منذ أكثر من 30 سنة على الأقل بالعاصمة الجزائرية وبغرفته في فندق “تورينغ” الكلاسيكي الجميل. في شرفة تلك الغرفة قال لي الشاعر سعدي يوسف إن النقاد العرب قد دوخوه وأمعنوا في “تدويخه” بمصطلح الحداثة، وتمنى أن يستبدلوا هذا المصطلح بمصطلح “الطليعية” لأنه في رأيه الأكثر تعبيرا عما ينبغي أن يتحلى به المثقف في العالم الثالث المتخلف الذي يفصل بينه وبين ثقافة وأخلاقيات الحداثة أكثر من برزخ. فالطليعية تعني أن يكون المثقف في طليعة المجتمع من أجل المساهمة في البناء السليم للثقافة المتطورة، وللأخلاقيات المتحضرة، وللمعمار الأصيل والأكثر جمالية، وللبيئة الاجتماعية الصحية، وللفعل السياسي الديمقراطي الناضج والمتحضر.

إنَ أمثال هؤلاء المثقفين الذين يرفعون عقيرتهم ويكررون أغنية الحداثة على مسامع الناس هم بعيدون حقا عن واقعهم الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي يقترب أن يكون نسخة من العصر الحجري الذي كنا نظن أنه قد ولّى.

سأقدم هنا بعض الأمثلة من الواقع الحي لسلوك هؤلاء الحداثيين: أحيانا كثيرة تجد نفسك مع هؤلاء الحداثيين وجلهم من الذكور في المقهى، أو في الندوات الثقافية، والفكرية وهناك تسمعهم يتحدثون بإطناب عن نظريات ومحاسن الحداثة وعلاقتها بحرية المرأة والمساواة بين الجنسين، وفي الوقت نفسه يذكرون أسماء المفكرين الحداثيين أمثال هابرماس وفوكو ونعوم تشومسكي وجاك لاكان وسارتر ودي بوفوار كي يبينوا لمن حولهم أنهم على اطلاع على آخر الصيحات الجديدة في عالم الفكر العالمي التقدمي.

ومن حين لآخر تسمعهم يختلفون بعنف شديد حول تأويل مفهوم “حرية المرأة” وفي الغالب تنشب بينهم معارك داحس والغبراء حتى تحمر وجوههم، وتتوتر عضلاتهم، وتتقد جباههم، وبمجرد أن تسأل أحدا منهم هذا السؤال: “أين زوجتك أيها الحداثي الميمون؟” فإنه يجيبك هكذا: “إنها يا عزيزي في الدار تربي الأولاد وتطبخ المأكولات اللذيذة !”، وحين تسأله: “لماذا يا عزيزي الحداثي لم تأت بها إلى هذه الندوة الأدبية وإلى الندوات السابقة لكي تشارك بني آدم في الاستمتاع والمؤانسة برنين الحداثة، ولكي تقتسم معهم رغيف الهواء الطلق؟”، فإنك تراه يقطب جبينه، ويحرك شاربيه مبرزا فحولته الذكورية التي لا يشق لها غبار ومن بعد ذلك يدير لك ظهره؛ ثم يستسلم بطريقته الخاصة للصمت الفولاذي.

15