حداد بلون العيد

السبت 2014/03/08

يعترض البعض على تسمية الثامن من مارس، الموعد العالمي الرسمي للاحتفال بعيد المرأة؛ حيث تتوارى بعض الجذور التاريخية المشكوك في انتمائها إلى طوائف وأديان ومجموعات “أجنبية”، عمدت، عن سابق تصور وتصميم، إلى تبني هذا الرقم، الذي يمثل عيدا أو نصرا تاريخيا فرديا، و”عولمة” الخبر والحكاية نكاية بأعداء افتراضيين.

المهم، أن المتحذلقين بعد أن تعبوا من مطاردة الحقائق التاريخية التي لم تعد حقائق بفعل الزمن والتعرية “الثقافية”، تعلقوا في ركب قافلة العيد الأخيرة، ليقدموا الورود والكلمات الرقيقة لجميع النساء من دون استثناء، اعترافاً منهم بالأسطورة ومخترعيها أيا كانت جذورها ودوافع مبتكريها وديانتهم وملتهم.

الاحتفال بالمرأة يعني ببساطة انعاش الذاكرة بأريج أحداث سعيدة أو انتصارات باهرة تدور في فلكها.

وبالفعل، فإن البعض يراها في صورة ثورات اجتماعية، حرضت عليها أو قادتها المرأة، فجرت من خلالها قوالب نظم اجتماعية بائسة ومتوارثة عبر الأجيال، أو انتصارات سياسية مكنت المرأة من تسيّد بعض المواقع الريادية مساواة بالرجل.

أما الواقع المحزن فلا يؤيد فكرة الاحتفال، حيث تشهد حقوق المرأة في العالم تراجعا مثيرا للاستغراب، خاصة إذا تعلق الأمر بالمجتمعات المتقدمة، نظرياً، والتي “شبه لنسائها” بأنها طوت صفحات من ظلم واستعباد (أخيها) الرجل، فلم تعد بحاجة إلى البكاء على أطلالها.

في استطلاع حديث نظمته الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية والتي تعنى برصد الخطوط العامة للسياسة الأوروبية بشأن حقوق الانسان، ظهرت الصورة الحقيقية للعنف ضد المرأة، فتبين أن ثلث عدد نساء أوروبا المشاركات في الاستطلاع قد تعرضن للعنف الجسدي والجنسي ابتداءً من سن السادسة عشرة، في حين تفوقت المرأة البريطانية في سباق الأرقام المقيت هذا، إذ أن قرابة نصف البريطانيات (حوالي 44في المائة) تعرضن لصور متنوعة من العنف الجسدي والاعتداء الجنسي في سن مبكرة، وهو رقم يتفوق على المعدل العام للعنف ضد المرأة في عموم أوروبا الذي وصل إلى 33 في المائة.

من خلال استنتاج مورتن كجايروم، مدير الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية فإن النتائج الصادمة تعد خرقاً سافراً لحقوق الانسان، في إشارة إلى أن ظاهرة العنف ضد المرأة وصلت إلى مرحلة حرجة غير مسبوقة تستدعي من المتخصصين التصدي لها بأساليب جديدة وحلول قاطعة وسريعة، قبل أن تتفشى بصورة أكبر وتشكل تهديداً لحياة شريحة كبيرة ومهمة من المجتمع.

فإذا كان هذا هو حال نساء المجتمعات المتقدمة، فما بال النساء اللاتي يختبئن في زوايا العالم الباهتة؟

العنف، يتخطى الحدود والعرق والثروة والثقافة والجغرافيا، لهذا تعاني نساء في الدول الكادحة والفقيرة والملبدة بالحروب، الأمرين.

في إحدى زوايا العالم الأكثر سخونة، تقف المرأة العربية كجملة اعتراضية، خارج النص، فتقفز من بوتقة الحروب لتدخل في صراع مع الفقر، تنام على مرض وتصحو على كدر، وفوق هذا وذاك؛ تقف لها قوانين الاجتماعية المتخلفة بالمرصاد.

أما في العراق، فتواجه المرأة شتى صنوف العنف والتعذيب النفسي بما خلفته الحروب والصراعات والعنف الطائفي على ملامحها المتعبة، وهي اليوم تقف بصلابة في مواجهة عنف من نوع آخر اخترعه أصحاب القرار السياسي، الذين حاصروها بقيودهم العرفية المغلفة برداء الدين، فقانون الأحوال الشخصية الجديد انتهاك صارخ لحقوق المرأة طفلة وشابة ومسنة، وإصرار مقيت على تهميش دورها في المجتمع وامتهان لكرامتها الإنسانية. لذلك، اختارت بعض ناشطات المجتمع المدني اللون الأسود ليصاحب الذكرى السنوية لعيد المرأة في العراق، حيث سيتم (الاحتفال) بملابس الحداد في تعبير بليغ عن الرفض والاستعداد لدخول الحرب مجدداً.

الأمور ليست على مايرام.

21