حدث الكتابة أم كتابة الحدث

الاثنين 2013/11/11

يختلف كتّاب الرواية في مقاربة الواقع، وهذا أمر طبيعي، فكل إناء بما فيه يرشح، ويختلفون أيضا في النظر إلى ماهية العمل الروائي، ليس من حيث شكله ومضمونه ولغته فحسب، وإنما أيضا من حيث فعل الكتابة نفسه، هل هو كتابة حدث، أم هو حدث كتابة، هل هو سرد لأحداث تصنعها أو تكتوي بها شخصيات واقعية أو متخيلة، أم هو تصوير فني لأسباب وقوع حدث ما والعناصر المولدة له والحافة به مكتفيا بالوصف والتحليل والتأمل والنظر الفلسفي، في نوع من الاحتفاء باللغة تصير فيه الكتابة هي الحدث.

صحيح أن الرواية ليست مجرد حكاية تحكى، ولكنها لا تكون كذلك بغير الحكي، أيا ما يكن نسقه، متدفقا أو متأنيا، مسترسلا أو متقطعا، متناميا أو مرتدّا، أحادي الصوت أو متعدد الأصوات، مكتفيا بعناصر السرد المعلومة أو مستعينا بالنصوص المكمّلة.

صحيح أيضا أن بعض الأعمال العالمية استعاضت عن ذلك بالوصف الدقيق والتأمل الفلسفيّ العميق، كما في أعمال هرمان بروخ وروبرت موزيل وجيمس جويس وميلان كونديرا، وصارت في وجه من الوجوه حمالة للمعرفة، ولكنها هي أيضا لم تخل من مآخذ سجلها عليها خصوم ينظرون إلى فن الرواية كما تواضع عليه مبدعوه من ثربانتس وديدرو إلى تولستوي ودستويفسكي، ومن بلزاك وفلوبير إلى ماركيز ونجيب محفوظ.
وحسبنا أن نطلع على ما قيل في رواية مارسيل بروست "في البحث عن الزمن الضائع" التي يحتفي الفرنسيون هذا العام بمئوية صدور جزئها الأول. هذه الرواية التي عدّها النقاد على اختلاف مشاربهم رائعة القرن العشرين، وجعلوا من صاحبها أيقونة، قابلها كتاب كبار مثل كلوديل وبول فاليري وسيلين وجوليان غراك فضلا عن السرياليين بنقد لاذع، إما لطول جملتها التي تمسح أحيانا صفحة كاملة، أو لطغيان الوصف الممل على حدث لا يتطور، أو لانغلاق البطل في محيط ضيق.

وإذا استثنينا موقف بعض ناشريه الذين رفضوا مخطوط جزئها الأول بحجة أن "جملتها تفيض من كل جانب، مثل حوض ماء مخروم" أو أن "مؤلفها احتاج إلى ثلاثين صفحة ليصف كيف يتقلب في فراشه قبل أن ينام" بوصفهم مغمورين لا يعتدّ برأيهم، فإن آراء أعلام كبار حولها لا تزال أصداؤها تتردد تلقى صداها حتى الآن.

هذا مثلا أراغون يحتجّ على من شبّه كاتبها بسان سيمون قائلا: "ما يكتبه بروست في ثلاثة كتب يختصره سان سيمون في ثلاثة أسطر". أما الألماني ريلكه فقد انتقد استعمال الموهبة والنبوغ في قسمة الشعرة على أربعة، مثلما انتقد إسهاب الرواية المفرط، الشبيه بتشكيلة كاملة تتجاور فيها الأشياء جنبا إلى جنب دون أن تكون سعيدة بالمكان الذي تحتله. وأما البولندي فيتولد غمبروفيتش فقد عبر عن موقفه بقوله: "أتساءل أحيانا لماذا لا أحبّ بروست.
السبب مناخها الذي ينضح بروائح أذيال الأردية وروب غرفة النوم. فهو لا يغادر وسطه قطّ، ولو للحظة قصيرة. لقد عرف الموت والعذاب وشِراك الحياة، ولكنه لم يستطع التخلص مما هو جميل ورائق.. فحديثه عن النشوة والغواية والإغراء له عفونة روائح صالونات التجميل وغرف النوم". وأما أناتول فرانس، المتوّج بجائزة نوبل للآداب عام 1921، فقد اعترف صراحة أنه لم يفهم الرواية، وزاد على ذلك قوله: "العمر بالغ القصر، وبروست بالغ الطول".

وقد وجدنا لدى بعض الكتاب العرب من تلقفوا مقولة "حدث الكتابة بدل كتابة الحدث"، فإذا رواياتهم جامدة لا روح فيها ولا حسّ، وإذا هي، في غياب خلفية فكرية عميقة كما هو الشأن مع بروست، أشبه بـ"كاتالوغ" المحلات التجارية أو دليل سياحي، تقدِّم الشخوصَ والمعالم والأشياء في حياد عجيب، لا همّ لها إلا الاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة، دون فعل درامي يدفع الحدث، ويكسب الشخصيات أبعادا اجتماعية ونفسية وحضارية، غاية منشئيها في ذلك الاحتفاء بالكتابة، لا غير.

14