حدث بنقردان والإعاقة الدبلوماسية والاستراتيجية التونسية

الجمعة 2016/03/11

الهجوم الإرهابي الذي نفذته عناصر من تنظيم داعش الإرهابي على مدينة بنقردان الجنوبية الحدودية مع ليبيا مطلع الأسبوع الجاري، يمثل مادة دسمة لقراءة مشاكل تونس الدبلوماسية والاستراتيجية التي تحدثنا عنها في مناسبات كثيرة في فضاء صحيفة “العرب” الدولية هذا.

وانشغل الرأي العام في تونس بهذا الهجوم انشغالا كبيرا. فهو الهجوم الأكبر الذي تتعرض له تونس. وفيه تغيير عملياتي إرهابي خطير. فلقد مرّت العمليات الإرهابية من نصب الكمائن وزرع الألغام وترصد العسكريين والأمنيين في جبال الشمال الغربي والوسط الغربي، ومن الهجومات الفردية أو الثنائية على منشآت على غرار هجوميْ باردو وسوسة، إلى هجوم واسع بعدد كبير من الأنفار استهدف مدينة بأكملها قصد احتلالها.

ولقد عمل المعتدون على توفير مخازن عديدة للأسلحة تحتوي على أسلحة تتجاوز بكثير حاجة العناصر المهاجمة. وهو ما يعني أن الغاية منها لم تكن فقط ضمان سيولة الإمدادات داخل الجبهة، بل توفير السلاح لكل العناصر التي كان من المتوقع انضمامها إلى الإرهابيين المهاجمين. وهو ما يعني أن هجوم بنقردان كان مخططا له منذ مدة. ومن أعدّ له فكّر في كل شيء؛ في العناصر المستهدفة والمراكز التي يجب الهجوم عليها قبل غيرها، وفي نشر مخازن الأسلحة في أماكن مختلفة من المدينة.

على مستوى المهاجمين كان هناك صنفان؛ الأوّل هم الأنفار الذين بادروا بالهجوم وعددهم يصل إلى الخمسين، والثاني هم المتوقع انضمامهم من الخلايا الحية والنائمة القادمة من داخل بنقردان ومن المدن القريبة منها ومن الخلايا المتمركزة في عمق جبال الشمال الغربي والوسط الغربي. كل هذا التخطيط والتكتيك للعدو يحدثان في مقابل غياب الدبلوماسية والاستراتيجيا التونسيتين.

النجاح العسكري والأمني التونسي في التصدّي للهجوم وإبطاله لا يخفي أبدا الإعاقة الدبلوماسية والاستراتيجية التونسية التي رشحت عن هذا الهجوم. لقد فاجأت جاهزية الأجهزة العسكرية والأمنية التونسية الإرهابيين المهاجمين، أوّلا، والرأي العام، ثانيا. كما أظهرت هذه القوات شجاعة كبيرة وقدرة على التعامل مع العدوّ، خاصة أن المعارك دارت داخل المدينة في الشوارع والبنايات والمنازل وبين المواطنين.

ولكن هذه القدرات العسكرية ستظل مشلولة إذا لم تصحبها قدرات دبلوماسية واستراتيجية. والمقصود بالاستراتيجيا هنا البعدان الاستخباراتي والاستشرافي، الأول عسكري أمني والثاني تقوم به مؤسسات بحثية من معاهد وجامعات ومراكز إعلامية مختصة. وهذا غائب تماما عن المجهود التونسي في مواجهة الإرهاب.

ونحن نتحدث عن الواقع التونسي، ليس الربط بين الدبلوماسية والاستراتيجيا من باب الصدفة في هذا المقال، وإنما لهذا الحديث مبرراته إذ كلا النشاطين مرتبطان بمؤسسة رئاسة الجمهورية بشكل مباشر. فالسياسة الخارجية من مشمولات الرئيس، والمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية مؤسسة تابعة لرئاسة الجمهورية. والرئيس هو من يتولى تعيين مديره العام.

لو ناقشنا خيارات السياسة الخارجية لتونس سنجد الكثير منها غير مفهوم، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن تونس تردد باستمرار أنها متوجسة كثيرا من الخطر الداهم من ليبيا بسبب غياب الدولة المركزية وتوافد الكثير من العناصر التونسية للالتحاق بمعسكرات التدريب هناك والانتقال إلى جبهات القتال في بؤر النزاع.

إذا كان الخطر المتوقع قادما من ليبيا لماذا تركز الجهود الدبلوماسية على أميركا وأوروبا والدول العربية المشرقية لا سيما الخليجية منها؟ والسؤال الأشد إلحاحا هو لماذا تغيب تونس عن كل المشاورات حول ليبيا سواء التي تشرف عليها الأمم المتحدة، أو التي تقوم بين دول الجوار مثل مصر والجزائر وإيطاليا؟ لماذا تسارع تونس بالانضمام إلى التحالف الإسلامي الواسع ضد الإرهاب بقيادة السعودية وبالانضمام إلى التحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ولم تفكر في تحالف كهذا في منطقتنا مع الجزائر ومصر والنيجر والتشاد ومالي، مثلا؟

رئيس الجمهورية فضّل أن تكون زياراته إلى الأردن والخليج العربي والولايات المتحدة قبل ذلك لمناقشة الوضع الليبي، ولم يزر أي دولة من الدول الأفريقية المجاورة لليبيا مثل تشاد والنيجر والسودان، ولم يعمل على توطيد العلاقات المفككة بين هذه الدول. لا أعتقد أن هذه الخيارات الدبلوماسية صائبة وهجوم بنقردان يؤكد ذلك، إذ افتقرت تونس للرصيد المعلوماتي والاستخباراتي الكافي .

أما المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية فهو مؤسسة نائمة في واقع مشتعل. لا أعتقد أن تونس ستكون أكثر حاجة لهذا المعهد من الآن. لماذا أنشئ المعهد إذا لم يكن لتوفير ما يلزم من الدراسات والاقتراحات المدعمة التي على أساسها تبنى الخيارات الدبلوماسية الاستراتيجية؟ هذا المعهد لم ينشر كتابا واحدا عدا العمل الجماعي في عهد الترويكا حول السلفية الجهادية في تونس.

هذا المعهد غائب عن المشهد التونسي. فهو ليس مصدرا للخبر ولا يشكل مرجعا للباحثين والإعلاميين. ولا يؤمه خبراء يقدمون التحليل المناسب الذي يحتاج إليه الرأي العام في تونس. والفراغ الذي تركه ملأه أشباه المحللين. وغاب التحليل الاستراتيجي العلمي الرصين وعوضه التناطح الإعلامي والعراك في منابر الفضائيات والإذاعات.

من الواضح أيضا أنه لم يُرَد لهذا المعهد أن يكون مستقلا وأن يؤدي واجبه في خدمة مجتمعه بما يلزم من دراسات وأبحاث استشرافية تجنبه المخاطر. وغياب هذه الإرادة يتجلى في اختيار رئيسه الذي لم يخرج عن الولاء في عهدي الرئيسين المرزوقي والسبسي. فالمعهد مطلوب وجوده للتزويق والإشهار للرئيس بينما السياسة الفعلية والاستراتيجية للرئيس وحده وضعها. وليس هذا دليلا على القدرات الخارقة للرئيس، بل هو دليل على انعدام ثقة المسؤول الأول عن الدولة في المؤسسات، أولا، وعن نزعات شمولية في شخصه، ثانيا.

لو كان المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية يعمل بالشكل الناجع الفعال لكان له اتصال مباشر بالاستعلامات والاستخبارات العسكرية والأمنية، ولكانت مؤسسة رئاسة الجمهورية رابطة الوصل بين هذه المؤسسات وعلى ضوء اقتراحاتها وتصوراتها تحدد الخيارات الدبلوماسية. لو كان هذا الجهاز معافى لما كان ضعف الدولة المركزية في ليبيا مبررا لضبابية الصورة القادمة من هناك. فليبيا مجتمع تؤثر فيه القبائل والكثير منها له دور كبير في مواجهة داعش. ولهذا كان يمكن ربط علاقات مع القبائل الليبية، وربط قنوات اتصال مفتوحة مع دول جوار ليبيا والتفكير في وضع شَراكات معها لأن الخطر واحد والمصير واحد.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9