حدث ثقافي خليجي ينتصر من السعودية للفنون البصرية الحديثة

أول ملتقى خليجي للفيديو آرت يعقد في السعودية سيكون حلقة وصل بين الفنانين، لتبادل الخبرات نحو بناء محتوى فني عربي يتخصص بالتجريب للعمل من خلاله.
الخميس 2018/03/15
كسر الحالة الكلاسيكية للصورة

أكد الفنانون المشاركون أثناء الإعلان عن ملتقى الفيديو آرت الأول بأن أعمال الفيديو آرت هي وليدة تراكم ثقافي للفنون البصرية والأدائية والموسيقية، فهو عمل ثوري لا يمكن قراءته بمعزل عن باقي الفنون، أو بعيدا عن التجربة الإنسانية بكل حمولاتها الثقافية والفلسفية، مستشهدين بالعديد من الفنانين الذين أنتجوا تجارب ذات أبعاد وجودية عميقة.

جاء ذلك خلال ندوة “فن الفيديو.. السعودي والتوجه العالمي” التي نظمتها جمعية الثقافة والفنون في الدمام، مساء الاثنين الماضي، وشارك فيها الفنانون محمد سلمان ومحمد الفرج ومروة المقيط، تحت إدارة الكاتبة زهراء الفرج.

كسر الكلاسيكية

يأتي الإعلان عن ملتقى الفيديو آرت الأول انطلاقا من إيمان المنظمين في جمعية الثقافة والفنون بالدمام بأن فن الفيديو هو من أكثر الأشياء المتحركة والآخذة بالنمو والتطور عبر أدواته وأفكاره المتمازجة والخيالية، لما له من دور اكتشافي وأسلوب تعبيري عميق يعبّر عن أسئلة الإنسان وقلقه عبر التواصل مع الآخر، مبتكرا طرائقه العديدة التي جاورت اللغة، متخذة المدارس الفنية رافعةً ثقافية لها للتفاعل المفاهيمي والتجريدي والسوريالي والشاعري وغير ذلك من المدارس، لتصب جميعها في روح الفن وتاريخه من خلال اكتسابها لجميع الخبرات الشعرية والثقافية والسينمائية والسردية في كثافة زمنية وبعد بصري مؤثر.

 

يعتبر فن الفيديو أحد أهم الفنون العالمية المعاصرة، حيث لا يرتبط فقط باشتغاله على الصورة والتشكيل البصري، بل ينهل كذلك من فنون أخرى وخاصة السينما والفن التشكيلي، ولكنه يستقي كنهه أيضا من الشعر والأدب والفلسفة، في انفتاح كلي على كل إفرازات الحداثة والحياة المعاصرة. وإيمانا بهذا الفن الذي مازال لم يلق الرواج الكافي عربيا انتظمت أخيرا ندوة بالسعودية تحضيرا لعقد ملتقى الفيديو آرت.

من هذا الوعي ينطلق المنظمون بالجمعية في وضع حجر الأساس لتنظيم ملتقى للفيديو آرت الذي يعدّ الأول على مستوى الخليج، حتى يكون مظلة يجتمع تحتها الفنانون، ومنصة ينطلقون منها إلى العالم عبر التفاعل المستمر بينهم وبين بعضهم من جهة، وبينهم وبين المتلقين من جهة أخرى.

ويرى المخرج السعودي محمد سلمان أن الملتقى هو تأكيد على وجود فيديو آرت سعودي، ويتطلع إلى أن يكون حلقة وصل بين الفنانين، لتبادل الخبرات نحو بناء محتوى عربي يتخصص بالتجريب للعمل من خلاله، حيث يأمل سلمان بأن يكون حلقة للتواصل ولعمل شراكات مع المؤسسات والجمعيات الدولية التي تشتغل بمجال الفيديو آرت.

يقول سلمان لـ”العرب” موضحا “أعتقد أن الملتقى ليس مجرد كسر للحالة الكلاسيكية، بل هو إضافة تثري المشهد البصري السعودي. فنحن نعلم أن الفيديو انطلق بداية مع السينما التجريبية مع ظهور السينما في عشرينات القرن الماضي، وفي الخمسينات والستينات تشكل الفيديو آرت كفن مستقل، وساهمت إبداعات الفنانين في تقديم رؤى بصرية فنية استفادت منها السينما والتلفزيون. والصيغة الجديدة التي يحملها التنوع البصري للفيديو آرت ستكون محط اهتمام كل المهتمين بالفنون البصرية، والمستفيدين أيضا سواء صالات العروض الثقافية أو أصحاب الخدمات التجارية والإعلانية. كلها ستعمل معا لكسر الحالة الكلاسيكية للصورة”.

ويضيف “حتى نفهم السينما التجريبية والفيديو آرت نحتاج العودة إلى التاريخ وبدايات ظهور السينما، وأن هناك فنانين ناضلوا من أجل فن ينتصر للصورة المغايرة، حيث انشغل بحالة البحث عن لغةٍ سينمائية خاصة وصورة مبتكرة، فنٌ لا ينفصل عن وسيلة تعبيره، ويمنح نفسه الإمكانيات لطموحه. ومشكلة الفيديو آرت هي غياب المواكبة النقدية، فمازالت إسهامات النقاد العرب أشبه بحالة خراب نضالية تجاه هذا الفن الأصيل”.

وثائق بصرية

من جهته يؤكد المخرج السعودي محمد الفرج أن الفيديو آرت ظهر بشكل جلي في ساحة الفن السعودي الحديث في عام 2007، وذلك عبر جهود فنانين مستقلين أيقنوا بأن الثقافة الشفهية التي سيطرت على السردية في منطقة الخليج العربي آن لها أن تنتهي، ويبدأ عصر الصورة بجميع أشكالها، ويأمل في أن يكون فن الفيديو بشكل خاص، والفن الحديث بشكل عام، وثيقة بصرية تعبر بشكل أو بآخر عن اللحظة الراهنة.

يتابع الفرج لـ”العرب” قائلا “بقي الفيديو آرت جزءا بسيطا من المعارض التي تقام في العاصمة الرياض أو جدة، أو كما حدث في جمعية الثقافة والفنون بالدمام في الأعوام الماضية، حيث كان جزءا من مهرجان بيت الشعر نظرا إلى ارتباطه -أحيانا- بالشعر والشاعرية. ففكرة بدء ملتقى متخصص بفن الفيديو كما نرى أحيانا في أوروبا، أو أميركا اللاتينية من خلال ‘فيديو برازيل‘ الذي يعتبر العلامة الفارقة في كل عام مقدما أهم الأعمال وأحدث التقنيات وأكثر الأفكار جنونا، وتكون مشجعة جدا، إذ ستساهم حتما في خلق جو من المنافسة والترقب في كل عام، بالإضافة إلى أنه سيكون محطة يلتقي فيها الفنانون بأصحاب المعارض وقيّمي المتاحف ومديري المؤسسات الفنية، وسيكون محركا أساسيا لمسيرة وتقدم الفنانين والفنانات وسيخلق حلقة وصل بينهم”.

ويوضح الفرج أن فن الفيديو بدأ في منتصف القرن الماضي يأخذ حالة مستقلة عن كونه مرتبطا بالسينما التجريبية أو الدادائية، وذلك عندما ظهرت تقنية الفيديو المعروفة التي سهلت للفنان التلاعب بالصورة والصوت والمونتاج، ومنذ ذلك الوقت وهو متمرد على الكلاسيكية لأنه حداثي بالضرورة.

وجود ملتقى متخصص بهذا الفن يخلق مساحة جديدة ووعيا ورؤية مختلفين، ويختصر على الفنان الكثير من الوقت والجهد

ويضيف “وجود ملتقى متخصص بهذا النوع سيخلق مساحة جديدة ووعيا ورؤية مختلفين حتما، وما يميز فن الفيديو في نظري عن غيره هو حالة المنافسة التي تتكون ما بين الفنان نفسه والوسيط. وهذا الملتقى سيختصر على الفنان بذل الكثير من الوقت والجهد والمصادر في محاولة إيجاد مساحة عرض في المعارض القليلة التي تحدث سنويا والتي تكون مهتمة بالفن الحديث بشكل عام. لست متأكدا، لكنني أترقب ما سيحدث في السنوات القادمة، دعني أتفاءل لأقول بأن الفنون البصرية بشكل عام ستكون مؤثرة بشدة وثورية”.

وفي حديث لـ”العرب” أكد مدير جمعية الثقافة والفنون في الدمام والمشرف على الملتقى يوسف الحربي أن “مواكبة هذا النمط الفني البصري عالمي التأثير والتأثر، أمر ضروري وملح خاصة إذا ما لامسنا تجربة سعودية متألقة في العروض التي شاركت فيها وتركت أثرا مدهشا في الإمارات والبحرين والكويت ومصر والمغرب وفرنسا وبريطانيا وأميركا وإيطاليا، الأمر الذي حثّنا على الانطلاق من الداخل للتعريف بتجربتنا لاحتضان أبنائنا ولفسح المجال أمامهم للتعبير والعرض والتعريف خاصة وأن الفيديو آرت هو فن بصري له حضوره المميز، لذلك فإن تطلعاتنا الأولى هي التعريف بهذا الفن، التعريف بأهمية استخدام التقنيات المعاصرة والتعبير من خلالها، وإلى أيّ مدى تأثير هذا الفن على الجيل الجديد ومدى تقبل رؤى الفن التشكيلي الكلاسيكي له، فهذا الملتقى سيقرب الفكرة من المتلقي بكل مستوياته كما سيخلق تفاعلا وتنشيطا وتدريبا للوعي والفهم والإدراك الجمالي والبصري”.

ويوضح الحربي أن الجهة المنظمة للملتقى هي الجمعية، وبالتالي فإنها تفتح الباب أمام كل الفنانين وكل الأنماط الفنية سعيا لتثبيت هدفها في تربية الأجيال على إدراك الإبداع خاصة، حيث تسعى الجمعية لتكوين صلة وطنية تبني الرؤى وتخلق التنوع، وتتعامل بمرونة التقبل والنقد والنقاش والبحث والعرض مع من هم في الداخل أو مع العروض من الخارج.

14