حدث في قناة الفتن "الجزيرة"

الأحد 2015/06/14

كعادتها دائما، فاجأت قناة الجزيرة من تبقّى من مشاهديها ببثّ لقاء مع زعيم ما يسمى بجبهة النّصرة في سوريا، “الإرهابي” أبومحمد الجولاني، في حوار مطوّل عن جبهته التي ارتكبت أبشع المجازر، وطرحته كزعيم فترة مقبلة يتحدّث عن آفاق مستقبل سوريا في حال استيلاء جبهة النّصرة التي يتزعمها والشكل الذي ستكون عليه، وهو حوار جاء أقرب إلى الدعاية الانتخابية التي تعوّدها الناخب من المرشحين في مختلف الانتخابات الرئاسية، وتعمّد معدو وكاتبو سيناريوهات اللقاء، وبطرق إيحائية مدهشة، أن يطرحوا للمشاهدين من خلال الحوار رؤية الجنّة الموعودة التي رسمتها هذه المدرسة الأكثر تطرفا في الفكر الإرهابي، وهو نوع من الإيحاء الفكري الذي ظلّت مؤسسات الإعلام المؤدلجة أو التي تعيش على وقود مخططات استخباراتية، تنتهجه في منظومة الإعلام الحديث التي تقود وترسم وتخلق عالما في عقول وأفكار المشاهدين تقودهم عبره إلى تبنّي وتنفيذ مخططاتها.

الحوار مع أبومحمد الجولاني أثار العديد من علامات الاستفهام في أوساط المراقبين والمشاهدين على السواء، فجبهة النّصرة انبثقت من تنظيم القاعدة الذي بدأ شرارة خراب المنطقة وفرّخ معظم التنظيمات الإرهابية الحالية التي قادت المنطقة إلى هذه الحالة اللامسبوقة من التّشرذم والخراب والدمار، وقد أعاد للأذهان موقف ذات القناة التي قدّمت التنظيم الأمّ للمشاهدين قبل سنوات.

وعبر بثّها خطب زعيم القاعدة ومؤسسها أسامة بن لادن، ألهبت حماسة العديد من المراهقين والمتفلّتين، وساهمت بقوة في التغرير بهم وحثّهم بطرق غير مباشرة للانضمام إليها أو تشكيل نسخ مختلفة منها، فقد شكّلت هذه القناة المثيرة للجدل في السابق منبرا غير مباشر للترويج لفكر القاعدة وما انبثق عنه من منظمات وجماعات تكفيرية أو متشددة تنتهج الفكر المتطرف الذي واصلته بلقاءات زعيمها أيمن الظواهري الذي خلف أسامة بن لادن بعد مقتله، إضافة إلى تبنيها طرح العديد من أئمة وشيوخ الفضائيات الذين أنتجهم الفكر الإخواني، وقيادتها الإعلامية غير المسبوقة لحملات الترويج الخفية والمعلنة للجحيم العربي الذي مثّل خطوة مفصلية من خطوات مخططات دمار المنطقة.

ولو عدنا لتاريخ معرفتنا بكل “إرهابي” في بقاع الأرض، لوجدنا بداية معظمهم تمثّلت في ظهورهم في قناة الجزيرة، وتولّيها حملة ترويجهم، فالعالم لم يعرف أسامة بن لادن ولم تتم إثارة الجدل حوله، إلا بعد أن طرحته الجزيرة نموذجا للتناول الإيجابي والسلبي، وعبر لقاءاتها وحواراتها المختلفة معه، ونقلها أشرطته وأفلامه التي يصورها بمفهومه وبالطريقة التي يريدها لرسالته، واستمرت في الترويج له بطريقة أكسبته تعاطف الكثير من الشباب والمراهقين، وكانت سببا مباشرا في شعبيته، وعلى قياس بن لادن تتعدد الأسماء بدءا بالظواهري ومرورا بالزرقاوي وانتهاء بأبوبكر البغدادي ولقاء مباشر مفضوح مع أبومحمد الجولاني، وبين تلك الشخصيات برزت مختلف الأسماء.

الحوار الأخير مع رئيس جبهة النصرة عرضته القناة المثيرة للجدل في شكل سبق إعلامي ضمن مفاهيم الحرية الفضفاضة، ويعيد للأذهان مرة أخرى ذلك الجدل الذي فُتحت ملفّاته قبل سنوات حول الأهداف الحقيقية لإنشاء هذه القناة التي تمرّدت على مختلف القيم والمفاهيم السائدة لدى مجتمعات المنطقة منذ إنشائها. فقد بدأت بكسر قواعد ظلّت مجتمعات المنطقة تؤمن بها وتحافظ عليها، بدءا بإتاحتها المساحات الكافية للإسرائيليين الذين تمكنوا من كسر الحصار المفروض عليهم منذ زمن بعيد، وأدخلتهم مختلف البيوت العربية ليبرّروا كل ما قاموا ويقومون به من أفعال، وهو ما ساهم في تذويب القضية الفلسطينية. وفي ذات الوقت خلقت فجوة كبيرة بين الشعوب وحكوماتهم وأثارت الكثير من النّعرات تحت ستار “الرأي والرأي الآخر” الذي مكّنت من خلاله الكثير من أصحاب الأغراض من تحقيق مآربهم عبر تحريض الشعوب وحثّها على القيام بما أسمته الثورات، وبدأت بتضخيم المشكلات الصغيرة لتخلق منها شرارات أدّت في مجملها للحريق الكبير الذي لازال يكوي معظم أرجاء المنطقة.

أما الجانب الأخطر في استضافة الجولاني، فيكمن في حفظ معادلة الصراع الطائفي الذي تقتات منه مخططات هذه القناة، فالبروز الشيعي السالب والمكثّف في وسائل الإعلام لكشف سوءاته، قابلته الجزيرة ببروز آخر لكشف سوءات المتأسلمين وتحميلها على فاتورة المنطقة وصبغ المجتمعات بها. والفوضى المدمرة اللاّخلاقة التي تعمل قناة الفتن على رسمها، صنعت مجتمع رجال دين بمفاهيم “إرهابية” قادرة على التحايل اللامنطقي على مفاهيم الدين بما تتطلبه المخططات والمصالح، وهي خطوة هدفت لصبّ المزيد من الزيت على النار حتى تظلّ الحرب متقدة، وذلك من خلال طرحها للفكر السنّي في وجهه الخاطئ والمتطرّف، واستماتتها في محاولة طمس الوجوه الأخرى المعتدلة التي تستطيع التمييز بين المصلحة والدين وفهم الدين للمصلحة بما يتوافق وطبيعة كل عصر.

غير أن قناة الجزيرة لا تريد أن يرى مشاهد المنطقة طرحا غير الذي انتهجه بن لادن والظواهري والقرضاوي والجولاني وغيرهم، فالحوارات تطرح الأفكار وتستقطب وتبرّر وتشرح وتساعد على توصيل المعلومة، خاصة تلك الحوارات التي لا تعطي فرصة للمشاهد غير الاستماع والتلقّي، فلم تكن الاستضافة مباشرة ليتمكن المشاهد من مناقشة الفكر، وهو الحال في طرح مختلف شخصياتهم التي يروجون لها، فهي شخصيات موطنها يكمن فقط في عدسات الكاميرا ويتلون أفكارا تم شحنهم بها. وروّجت الجزيرة بطرق علنية لأفكار التنظيم الإخواني، وساهمت بقوة في صعوده إلى كراسي الحكم، وساعدته على سرقة مختلف الثورات، وأصرّت على الوقوف ضدّ إرادة الشعوب فما الذي يستغربنا في بثّها هذا اللقاء!

كاتب إماراتي

3