حدث في مثل هذا اليوم

الثلاثاء 2017/10/17

تعشش داخل كل فرد منا هوايات معينة قد يبدو بعضها غريبا وفريدا، فمثلا عشقت في فترة من الفترات حفظ أرقام السيارات، وقد يبدو بعضها الآخر حجر الأساس للتميز والتفرد، وبين هذا وذاك تابعت وما زلت أتابع "حدث في مثل هذا اليوم".

أحب جدا معرفة أحداث وأشخاص صنعوا لهم من تداول التواريخ عيدا، لكن ما دعاني إلى كتابة هذه الأسطر ليس هذا ومن الطبيعي أن يوجد أناس مثلي مشحونون بحب المعرفة، بل الدافع معرفة سر "التاريخ يعيد نفسه"، وهي المقولة التي اتخذت لها بعد ثورات الربيع العربي داخل جل مجتمعاتنا اسما مغايرا بتنقيح بسيط يشابه تعديلات دساتيرنا العربية "الأحداث أو بالأحرى المصائب تعيد نفسها".

قد يبدو الأمر عاديا إلى حد ما إذا ما طالعتنا سلسلة من الأخبار على امتداد فترة من الزمن تروي حادثة حول اغتصاب جماعي أو عائلي أو فردي لأطفال أو قصر أو لحوامل وغير ذلك، أو حول حوادث سير مميتة توزعت على كامل تراب الجمهورية وروت دماء ضحاياها إسفلت خارطة البلاد من أدناها إلى أقصاها، أو حول انتشار أمراض أو حيوانات في عدد من الأماكن، وهذا ما عايشناه ولا نزال نعايشه بشكل ملفت تجاوز حدود مجتمعنا التونسي إلى العديد من الأقطار العربية والغربية الأخرى وكأنه فيروس خطير سريع الانتشار.

لكن أن يتكرر حدث الموت بشكل دوري والطريف أن يكون في صفوف شخصية سياسية بعينها فهذا فعلا تشابه عجيب، حيث توفي وزير الصحة وقبل يوم واحد من تاريخ وفاته يعلن عن وفاة وزير سابق بسلك التعليم، طبعا الموت لا مجال لمناقشته، فالناس فيه سواسية، لكن من يعلم على أي وزير ستدور الدائرة؟

الإيمان بالتكرر بتعلة قدر الله وما شاء فعل دون بحث في الأسباب ومحاولة استئصال للمرض المعشش في ثنايا وخفايا المجتمعات قد يدفع بالبعض إلى الهرب حتى يكون محصنا حصينا دون أن يدرك حكمة المؤرخ التونسي عبدالرحمان ابن خلدون من قوله "التاريخ في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق".

حسب رأيي بدل انتظار على من ستدور الدائرة بعد ذلك، علينا تحريف عجلة الزمن عن مسارها الحالي وإسقاط تواريخ وضعت عبثا وكتابة فصول جديدة تضع العوائل في مأمن من نوائب هذه السنوات العجاف حتى تدرك سنينها الخصبة ولا تكون في كتب الأجيال القادمة أضغاث أحلام.

والمقصود بذلك ألا نتقبل جرائم مرضى المجتمع ونزعتهم للسرقة والقتل والاغتصاب على أنها مخلفات ثورة انقلبت فوضى وعبثية تسلط فردي لبناء مملكة وهمية تدعي أنها تعيد قراءة المجتمع وفق نواميس تليق بالأبطال والشجعان والواقع أنها ترعى وتسهر على الجشع والنكران.

لا بد من أن تكون العين بالعين والسن بالسن والقصاص القصاص لأن البادئ أظلم، وهنا يصبح للتكرار معنى ويعيد التاريخ مجدا مخلدا لا نفسا عافت التكرار، وكرهت انعكاساتها على مرايا الأزمان الضبابية.

كاتبة من تونس

21