حدث في مهرجان كان

الأربعاء 2016/06/01

لا شك أن النقاد السينمائيين الذين يتابعون يوميا عروض أفلام مهرجان كان السينمائي، يعتقدون عادة، أن تلقى آراؤهم صدى لدى أعضاء لجنة التحكيم الدولية التي يكون مطلوبا منها منح الجوائز للأفلام التي تراها الأفضل، وهو اعتقاد خاطئ تماما في تصوري.

صحيح أن نتائج لجان التحكيم كثيرا ما اتفقت مع توقعات النقاد، خاصة في ما يتعلق بجائزة “السعفة الذهبية” لأحسن فيلم، ولكنها تعارضت كثيرا أيضا مع ما أعجب به النقاد، والأمثلة على ذلك كثيرة.

يصدر يوميا خلال المهرجان عدد من مجلات السينما أهمها مجلة “الفيلم الفرنسي” الفرنسية، و”سكرين إنترناشيونال” البريطانية، و”فاريتي” الأميركية. وتستطلع كل من هذه المجلات -باستثناء فاريتي- يوميا، آراء عدد من النقاد حول أفضل الأفلام يمنحونها نجوما (وسعفات ذهبية!).

وقد ظلت ترشيحات نقاد المجلتين تضع الفيلم الألماني “توني إيردمان” على قائمة الترشيحات لنيل “السعفة الذهبية”، وكانت المفاجأة أن خرج الفيلم دون الحصول على أي جائزة، ولا حتى جائزة أحسن ممثل التي رشح كثيرون لها الممثل النمساوي بيتر سيمونشينك الذي أبدع بلا شك في دور البطولة.

وجاء رد فعل النقاد والصحافيين المتجمعين لمشاهدة حفل الختام عبر شاشة عملاقة في قاعة العروض الخاصة، غضبا ورفضا وصفيرا، بعد إعلان أن الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية ليس الفيلم الألماني الكوميدي الذي يصل في لحظات كثيرة إلى ما يعرف بـ”الفارص” أو المواقف الهزلية المبالغ فيها، وإنما الفيلم البريطاني الواقعي الرصين “أنا دانييل بليك” للمخرج المخضرم كن لوتش، الذي يوجه صفعة للبيروقراطية الحكومية في مجتمع رأسمالي يزداد توحشا يوما بعد يوم، في تعامله مع الفقراء والمهمشين.

قد يكون مفهوما أن يأتي انحياز النقاد لعمل سينمائي متميز يجدد في لغة السينما وينقل السينما إلى الأمام، أو يمكن اعتباره فتحا جديدا في التعبير بمفردات السينما: المونتاج والصوت والحركة والإيقاع والزمن، ولكن ليس من المفهوم أن يكون كل هذا الانحياز الذي بلغ مستوى التعصب، للفيلم الألماني الذي ليس من الممكن القول إنه يسعى إلى تجديد لغة السينما، كما كان الأمر على سبيل المثال مع أفلام أخرى شهيرة اتفق فيها النقاد مع لجان التحكيم في دورات سابقة مثل “تحت الأرض” لأمير كوستوريتشا، أو “شجرة الحياة” لتيرنس ماليك، أو “البيانو” لجيم كامبيون، أو “حب” لمايكل هانيكه.

وقد قيل إن منح السعفة الذهبية إلى فيلم كن لوتش جاء لاعتبارات تتعلق ببلوغ المخرج الثمانين من عمره، واحتمال أن يعتزل الإخراج السينمائي كما كان قد أعلن العام الماضي ولم يفعل، ولا أظنه سيفعل، فغيره مثل وودي ألين (80 سنة) وأليخاندرو خودوروفسكي (87 سنة) وماركو بيللوكيو (76 سنة) مازالوا يواصلون العطاء، وكانت لهم جميعا أفلام في هذه الدورة من مهرجان كان.

وكان من الطريف، بل والمدهش أيضا، أن الجائزة جاءت من لجنة تحكيم يرأسها المخرج الأسترالي جورج ميللر (71 سنة) صاحب سلسلة الأفلام الشعبية الشهيرة “ماكس المجنون” التي تعتبر من أفلام التسلية التي تدور في أجواء خيالية، وتحفل بالمغامرات والأكشن ومشاهد العنف والغرائبيات، أي ليس من المخرجين المعروفين باهتمامهم بأفلام القضايا الاجتماعية على غرار الأفلام التي يخرجها كن لوتش منذ أن بدأ العمل في السينما حتى اليوم.

لذلك ليس من الممكن الادعاء بأن ميللر منح فيلما يشبه أفلامه، بل على العكس، وهو ما قد يعبر أيضا عن مزاج عام داخل اللجنة كان له تأثيره على ميللر وتوجهاته، خاصة وقد أثنى الممثل الكندي الكبير دونالد سوذرلاند كثيرا على فيلم كن لوتش، وامتدحه علانية أمام الجمهور بعد إعلان فوزه بالجائزة.

وكناقد محايد تابع أفلام المسابقة، بل ويتابع المهرجان منذ ربع قرن، أسعدني كثيرا فوز الفيلم بالجائزة، ليس فقط بسبب إعجابي الكبير بمستواه الفني المتميز، بل وباعتبار فوزه بالجائزة، صفعة على وجه إسرائيل التي يطالب لوتش بمقاطعتها كدولة خارجة عن القانون!

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16