حدس الصحافي يتفوق على التقنية في التحقق من المعلومة وقت الأزمات

تقع على عاتق الصحافي مهمة مضاعفة في فترة الأزمات والكوارث البيئية، فرغم أنه لا يستطيع الوصول إلى مكان الحدث في بداية وقوعه، إلا أنه يتحمل مسؤولية التحقق من المعلومات التي تصله من الشهود أو التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي.
الأربعاء 2016/09/07
في لحظة الكارثة يصعب التحقق من المعلومات المنتشرة على مواقع التواصل

لندن - يعتبر الأشخاص على الأرض أكثر أهمية في الأماكن المنكوبة التي لا يستطيع الصحافيون الوصول إليها، ولم تستطع وكالات الإغاثة العمل فيها، وغالبا ما يستخدم الشهود والمشاركون هواتفهم لتوثيق ما يرونه والمشاركة فيه، لكن مسؤولية التأكد من هذه المعلومات وبثها عبر وسائل الإعلام تقع عاتق الصحافي.

وبحسب سانتياغو ليون، نائب الرئيس ومدير التصوير الفوتوغرافي في وكالة “أسوشيتد برس”، يتوجب على الصحافيين ألا يفترضوا أي شيء وأن يتحققوا من كل شيء من عدة مصادر كي يبقوا مصدراً موثوقاً للأخبار والمعلومات”.

وربما تكون إجراءات التحقق من صحة المعلومات غاية في الصعوبة في الحالات التي يكون فيها توفير معلومات دقيقة في منتهى الأهمية، وتتضخم مخاطر انعدام الدقة في حالات الكوارث، سواء أكانت طبيعية أم بشرية، ويمكن أن تكون مسألة حياة أو موت؛ حرفياً.

ويشكل إدراك الصحافي أنه لا يوجد حل سحري أو اختبار كامل للتحقق من صحة المعلومات، محور العمل على توفير معلومات موثوقة أثناء الكوارث. وهذا يتطلب من الصحافيين أن ينظروا أولاً إلى أساسيات التحقق الموجودة منذ عقود ولا تسقط بالتقادم.

عندما قامت “أسوشيتد برس” بترقية فيرغوس بيل، لقيادة المهمة الخاصة بإنشاء وممارسة أسس عملية التحقق من الفيديو الذي يرسله المستخدمون للوكالة، نظر أولاً إلى التوجيهات القائمة لدى الوكالة حول التحقق منذ زمن، بدلاً من النظر في الأدوات والتقنيات الجديدة. وقال بيل “أسوشيتد برس لها معاييرها التي لم تتغير فعلياً، وباستخدامنا لتلك المعايير تمكنا من تحديد طرق عمل وأفضل الممارسات للتعامل مع الإعلام الاجتماعي، حيث تسعى الوكالة دائماً للعثور على المصدر الأصلي وإجراء العمل الصحافي حوله”.

وأضاف “هذه هي الطريقة دائماً للتحقق من المحتوى الذي يولده المستخدمون؛ لا يمكننا التحقق من شيء ما إلا عبر التحدث مع الشخص الذي قام بإنشائه في أغلب الحالات”.

وفي الكثير من الأحيان، يعمد الناس إلى نشر المعلومات الزائفة والإشاعات على سبيل المزاح، ولزيادة “الإعجابات” والمتابعين، أو للتسبب بالذعر. لذلك يتوجب على الصحافيين العاملين في المجال الإنساني وعمال الطوارئ أن يصبحوا ماهرين في استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية وغيرها من المصادر لجمع المعلومات والتأكد من المصادر وتقصي صحة المعلومات المتضاربة التي تنتشر أثناء الكوارث. وهذا يتطلب عمليات أثبتت جدواها وأدوات موثوقة وتقنيات مجرّبة، بحسب تقرير لمنظمة ميدان ترجمه أنس قطيش.

آندي كارفن: السر هو العمل مع الحشود لـخلق جمهور أكثر معرفة

وفي الحقيقة، كثيراً ما ينخدع المهنيون بمعلومات سيئة، ويمكن للتكنولوجيا أن تضلل بقدر ما يمكن لها أن تساعد. ويحصل ذلك بشكل أكبر عندما تنتشر المعلومات بوتيرة سريعة، وعندما تفتقر الكثير من الغرف الإخبارية والمنظمات إلى برامج تدريبية وعمليات معتمدة للتحقق.

ويقول ديفيد تيرنر في مقال حول مركز المحتوى الذي يولده المستخدمون التابع للـ”بي بي سي” “إن أعمال التحقق وتفنيد المحتوى من العامة تعتمد على الحدس الصحافي أكثر مما تعتمد على التقنيات المتطورة”.

ويضيف “وبينما يسمي البعض هذا الاختصاص الجديد بـ”التحليل الجنائي للمعلومات”، لا يحتاج المرء لأن يكون خبيراً في تكنولوجيا المعلومات أو لأن يملك معدات خاصة ليسأل ويجيب عن البعض من الأسئلة الأساسية التي تستخدم لمعرفة ما إذا كان مشهد ما مزيفاً أم لا”.

يمكن للمنظمات البدء ببناء عمليات موثوقة ويمكن تكرارها للتحقق من المعلومات أثناء الطوارئ انطلاقاً من هذه الأسس. ويصبح التحقق من المعلومات على الشبكات الاجتماعية أسهل (سواء أكانت أخبارا أم صورا أم مقاطع فيديو) عندما يعرف الصحافي معاييره وكيفية تطبيقها.

ويعتبر آندي كارفن، الخبير الاستراتيجي الاجتماعي، من أكثر ممارسي التحقق عبر وسائل التواصل الاجتماعي شهرة وشعبية. ويرى أن السر هو العمل مع الحشود لـ”خلق جمهور أكثر معرفة”.

كما قال في خطاب افتتاح مهرجان الصحافة الدولية “عندما يصدر خبر عاجل كبير، لا ينبغي أن يقتصر استخدامنا للإعلام الاجتماعي على إرسال آخر العناوين أو سؤال الناس عن آرائهم في وقت لاحق”.

ويعتمد العامة على المصادر الرسمية مثل وكالات الأنباء وخدمات الطوارئ والوكالات الحكومية لتوفير معلومات موثوقة في الأزمات والكوارث البيئية. ولكن في الوقت نفسه يتزايد اعتماد هذه المؤسسات على العامة للمساعدة في العثور على معلومات جديدة وتقديم سياق ووجهات نظر مهمة، وعندما يتم عمل ذلك بالشكل المطلوب تنشأ حلقة مفيدة: توفر المصادر الرسمية من وكالات حكومية ومنظمات غير حكومية ووكالات الأنباء، معلومات حرجة وقت الحاجة، وتعمل عن قرب مع الناس على الأرض الذين كانوا أول من رأى الحالة الطارئة ووثقها.

ويعتبر المختصون أن لحظة الكارثة ليست بالوقت المناسب للتحقق كيفما اتفق، وليست وقتاً مناسباً لتحديد ووضع المعايير والممارسات للتعامل مع المعلومات الصادرة عن الحشود. ولكن هذا ما تقوم به الكثير من الغرف الإخبارية والمنظمات الأخرى.

وفي السنوات الأخيرة، ظهر عدد كبير من الأدوات والتقنيات التكنولوجية وأفضل الممارسات التي تمكن الصحافي من إتقان فن التحقق من صحة المعلومات الجديدة، ويتم تطوير المزيد بشكل متواصل. إن مزيج العامل البشري والعامل التقني مع حس التوجه والاجتهاد هو ما يساعد في تسريع وإتقان عملية التحقق بأكمل وجه. طبعاً هذا المزيج جديد، ويمكن أن تتغير الأدوات والتقنيات المتوفرة بسرعة.

ويقول خبراء الإعلام “لا ينبغي على الصحافيين التوقف عند طلب المساعدة أثناء محاولة تغطية خبر كبير. يتوجب عليهم أن يكونوا أكثر شفافية حول ما يعرفون وما لا يعرفون. ويجب أن يعالجوا بعزيمة الشائعات التي يتم تناقلها على الإنترنت. عوضاً عن التظاهر بأنها لا تنتشر أو لا تعنيهم، يتوجب عليهم التصدي لها مباشرة، وتشجيع العامة على التشكيك فيها وتدقيقها ومعرفة مصدرها وسببها”.

18